حين بلغ الخبر مسامع الإخوان تحرّكت بواعث الحسد- عند كل منهم- في باطن الجسد، وجلس كلّ أخ على نار، مع أن كلا منهم كان مستحوذا على إقليم ومستوليا على مملكة؛ فكانت توقات مع توابع ركن الدين سليمانشاه، ونكيسار مع مضافات ناصر الدين بركيا رقشاه بينما تولى آبلستان مغيث الدين طغرلشاه، وقيصرية نور الدين سلطانشاه، وسيواس وآقسرا قطب الدّين ملكشاه، وملطيّة معزّ الدّين قيصر شاه، وأراكلية سنجر شاه، ونكيده ارسلانشاه، وأماسية نظام الدّين أرغون شاه، وأنكورية محيى الدّين مسعود شاه، وبرغلو غيّاث الدّين كيخسرو.
ولم يكن يعود من أعمال تلك الدّيار على ديوان سلطنة الوالد شىء قطّ قلّ أو كثر، بل كانوا يقدمون على أبيهم مرة واحدة في السّنة، ويعودون بعد تحقّق المقصود.
مجمل القول أن الملوك حين تحرّكت فيهم نوازع الغلبة وبواعث السيطرة، تجمعوا عند ركن الدّين سليمانشاه، وكان أخاهم الأكبر، وأخذوا في تفنيد رأي أبيهم وتوهين فكره، وذهبوا إلى أنه إنما تيمّم ببقايا الزّبال مع وجود الماء الزّلال، وتشبّث بحيلة الثعلب الأعرج رغم أن صولة الفهد على أهبة الاستعداد [بيت]:/
[ ٥ ]
- لن نرضى بما حكم الأب … كيف نزيل هذا الشّنار ونمسح هذا العار.
وذكروا من هذا النوع من الكلام المغشوش (^١) ما يشبه العهن المنفوش.
ونظرا لما كان يتمتع به الملك ركن الدين من دهاء وعقل أجاب بقوله:
إن سيّد العالم- خلّد الله أيّامه- حاكم موفّق، كل ما يأمر به ويقوله إنما يذعن له الفلك رغبا ورهبا. ولما كانت ذاته الشريفة هي السبب في تكوين طينتنا نحن فإن عدم ارتسام أحكامه وامتثال أمره مفض إلى العقوق ومؤدّ لنكران الحقوق: [شعر]:
- لا أبيع رضاه بملك ما في الأرض جميعافما لتراب الكثيب الفاني ذلك المقدار.
سيّما وأن سيماه الكريمة قد تغيّرت .. ومعين ترفه ونعيمه قد تكدّر، فالنهوض لنقض أحكامه- وهو ما يجعله مضغة في الأفواه وأضحوكة للأشباه- أمر بعيد عن الرأي السديد. إن غياث الدين وإن كان صغير السن (^٢) قد التحق بمدرسة: «وعلّمناه من لدنّا علما» (^٣)، وأتقن فيها استيعاب الآداب الملوكية، وأخرجها من القوة إلى الفعل، «والله يؤيد بنصره من يشاء» (^٤). وحين سمع الإخوة هذه النصائح نبذوا ما كان قد تسلل إلى رؤوسهم من هواجس سوداوية،
_________________
(١) كذا في الأصل مغشوش، والمغشوش: غير الخالص (المعجم الوسيط).
(٢) في الأصل پسين خردست: متأخرا صغيرا، وفي الأوامر العلائية [ص ٢٨] بسنّ خردست: صغير السن، وهو الأصح كما هو واضح.
(٣) تضمين من القرآن الكريم، سورة الكهف: ٦٥.
(٤) سورة آل عمران: ١٣.
[ ٦ ]
وآب كل منهم إلى ملكه خاسرا خائبا.
وفي أثناء هذه الحالات وصل الخبر بأن السلطان «قلج ارسلان» قد التحق بدار الجنان، وجلس غياث الدين منفردا على مسند الملك، واستوى على العرش.