أمر السلطان بأن يحمل إلى منزل الملك الأشرف خيمة ملكية كأنّها الجبل يشكو الفلك من ارتفاعها، وأن تضرب على حافّة نهر جار في منطقة المروج، وأن تهيّأ الخزانة وعدّة الفراش والطّست والشراب والمطبخ بمعدات ذهبيّة كأنها مفردات كنز بالغ الروعة، وما يلحق بذلك من أدوات ولوازم تليق بالسلاطين.
ونهض السلطان للاستقبال، فلما بدت المظلّة السلطانية نزل الملك الأشرف من فوق الحصان وتطلّع نحو السلطان، فلما اقتربا ورأى السلطان الملك الأشرف واقفا على قدميه نزل، فوضع الملك الأشرف رأسه على الأرض في عدّة مواضع.
ثم إنهما ركبا بعد المعانقة والملاثمة، وأخذ السلطان في التلطّف معه، وقال: إن الملك قد تجشّم مشقّة السير، وناله الكثير من التّعب، والمأمول أن تكون ميامن حركات أقدامه وبركات أعلامه سببا في زيادة عظمة إيوانه، فنزل الملك من جديد وقبّل الأرض ثانية، فأشار السلطان بأن يقدّم بغل سريع السّير بطوق ولجام، فركبه الملك وأخذ في تجاذب أطراف الحديث مع السلطان، وكان الأمير كمال
_________________
(١) وهو الملك الجواد مظفّر الدين يونس بن مودود ابن الملك العادل الأيوبى، يقول عنه ابن واصل فى كتابه: «مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب» (٣: ٢٧٤): «وكان فى خدمة عمه الكامل .. وكان جوادا إلى الغاية، شجاعا».
[ ٢٠٣ ]
الدين يتولى أمر الترجمة بينهما.
وحين اقتربا من المروج أمر السلطان أكابر الدولة بالذّهاب إلى الخيمة مع الملك والنّزول لخدمته. فدخل الملك الخيمة، وقدّم له من النعمة ما يشبع عين الطّمع. فلما قام عن المائدة وتوجّه إلى مخدعه شهد متاع السلاطين من سرير ملكي وطست وأوعية ذهبيّة ومجمرة مرصّعة وحّمام سفري وغلمان كأن وجوههم الشّمس ذوو شعر مسكيّ، فأصبح الملك مائة لسان تثني على سلطان العالم، وأبدى رغبة في الاستحمام من مشقّة الطريق. ثم تبختر متوجّها إلى الإيوان العام، وطلب الملوك والإخوان، وفجأة/ وصل السّقاة، وجيء بآلات الحفل والطّرب، ولما أثّرت الخمر الصافية في عقول أهل المجلس تأثيرا ظاهرا، وثقلت رؤوس خفاف الرّوح من النّوم، ظهر التفرّق في الحرفاء والنّدماء.
وفي اليوم التّالي حين تفنّن نقّاشو القدرة فرسموا القرص الذهبي للشّمس على صفحة السّماء الزّرقاء سلك الملك الأشرف وسائر الملوك جادّة الخدمة وجاءوا إلى الأعتاب السلطانية. فخرج السلطان من الإيوان راكبا فانحنوا وهم على ظهور خيولهم، وأخذ السلطان في التعطّف والسؤال عن الأحوال، واعتذر عمّا يكون قد وقع من تقصير في الحفاوة بالقدوم. فنزل الأشرف من فوق الحصان ثانية. وأمر السلطان بأن يقدّم حصان من الخاصّ، فركبه الأشرف.
مجمل القول أن السلطان بلغ الغاية القصوى في تكريمه، وبذل الخلع والصّلات والإقامات.
ثم إنه دعاه إليه مع إخوته، وأجلس الملك الأشرف معه في مكان واحد، ودارت دورة الخمر الحلوة، فلما أثّرت سورة المدام في طينة السلطان، أمر
[ ٢٠٤ ]
بالإمساك، وأمر الوزير بأنه إذا توجّه الملك الأشرف صوب مقر إقامته أرسل في إثره إلى الخيمة بكل آلات الحفل وخلعة ملكيّة قيّمة وحصانا يسابق الريح بطوق ولجام، وبأن يحسن إلى كل إخوانه بما يبقي ذكره أبد الدهر، فأنفذ الصّاحب الأوامر المطاعة.
وفي اليوم التّالي حين أخذت براعم الأرجوان تتفتّح في الروضة زرقاء اللون، توّجه السلطان إلي المدينة، فلما اقتربوا من البّوابة نزل الملك من فوق الحصان ووضع «غاشية» السلطان على كتفه (^١) كما نزل كلّ ملوك الشام وأخذوا يسيرون في ركاب السلطان إلى أن بلغوا وسط الميدان. فلما رغب السلطان في اللعب بالصّولجان، كان الملك الأشرف كلما تصادف وسقط الصّولجان من يد السلطان، نزل من فوق حصانه/ ونفض عن الصّولجان الغبار بأطراف لحيته الشّريفة، وقبّله ثم سلّمه للسلطان، وعندما كانوا يسحبون حصان السلطان كان الملك يقبّل الأرض، ثم يعاود الرّكوب.