/ واظب الخوارزميّون بعض الوقت على الالتزام بالحلف والحفاظ على العهد، ثم ما لبثوا أن انحرفوا بوسوسة الشيطان وتلبيس إبليس عن جادّة الطّاعة، وجعلوا نسيان (^١) الحقوق مقّدمة لسجلّ العقوق، وعدّوا نهب البرايا وبث الفزع في نفوسهم والغارة عليهم أمرا واجبا.
فاتفق ملوك الشام على تشتيت (^٢) قطيعهم وتفريق كلمتهم، واستنجدوا بحضرة السلطنة خوفا من أن يلحق بهم العار. فتمّ اختيار ثلاثة آلاف فارس شهير- بأمر (^٣) السلطان- من «خرتبرت» و«ملطية» و«آبلستان» و«مرعش» المتاخمة لحدود الشام لمؤازرة الشاميين ومعاضدتهم بقيادة ظهير الدين منصور الترجمان. فلحقوا بحلب في مدّة لا تجاوز ستة أيام، ومن ثمّ توجهوا إلى «البيرة» مع صاحب حلب- وكان قد أقام جسرا وأعدّ وسائل العبور- وانضمّوا إلى الملك المنصور صاحب حمص، وكانت قيادة جند الشام منعقدة له.
وانطلقوا بجناح النّجاح وأخفاف التخويف وقوادم الإقدام مصممين على قتال الخوارزمية كأنهم الأفاعي المهتاجة والبلاء النّازل.
وكان الخوارزميون قد دفعوا أمامهم بأرباب الحتوف وعمال السّيوف من أجل إعداد الصّفوف، فلما جاوزت الجنود «رأس العين» بمرحلتين، ظهرت فجأة كوكبة من الخوارزمية فوق أحد التلال، فتعقّبهم الرّجال الشّجعان الأشاوس
_________________
(١) في الأصل: نشان: علامة، وهو تصحيف بلا شك.
(٢) تسبيت؟! كذا في الأصل، والتصحيح من أ. ع، ٤٨٧.
(٣) «بامير»؟! كذا في الأصل، وهو تصحيف بلا شك.
[ ٢٦٤ ]
بخيولهم مجرّدة من السّروج، وألهب الخوارزميّة واضطربوا اضطراب الزئبق، ولم تلبث الأمواج المتلاطمة لبحر الحرب أن أطفأت شعلة «السّراج الوهّاج» (^١) وبدّل الغبار المنبعث من تحت الأقدام اللّيل بالنّهار. وكان يخشى أن يفر الشّاميّون من الميدان تحت وطأة الضّغطة الخوارزمية، فباغتهم ظهير الدين منصور وعطف عليهم فجأة، فتحقّق له الظفر، وألجأهم إلى الفرار والجلاء.
/ وبعد أن تتابع الفرار وجد بعضهم نفسه بنواحي «بغداد». ولقد عاملهم أمير المؤمنين المستنصر بالإعزاز، وأكرم وفادتهم.
وفي تلك المعركة تحقّق لكلا الجيشين: الشّامي والرّومي مالا حصر له من الأمتعة والأسلاب.
وكان «شهاب الدين زندري» منشئ الحضرة الجلاليّة قد تقلد في ذلك الوقت وزارة «بركت خان» (^٢)، وأصبح نائبا لقلعة «حرّان». فلما سمع بنبأ انكسار ولي نعمته فكّر في أن يغتنم فرصة ليتوجّه نحو الرّوم وينتظم في سلك مماليك تلك الدولة، «وإن أنا سلّمت القلعة لسلطان الروم فلا شك أنه يتعين عليّ الانصراف إلى دياره لأني لن أستطيع النظر في وجه «بركت» خجلا».
وكان الملك المنصور قد بذل بدوره الوعود- سرّا- لشهاب الدين زندري و«جمال الدين حبش» - مجتمعين- بإمارات مقنعة ومغنية.
وفجأة حملت راية «الملك الناصر» - صاحب حلب- وعلّقت فوق القلعة، فتعالت الأصوات بالدّعاء له، فلم يقل «ظهير الدين» وغيره من أمراء الروم شيئا تعظيما للقدر، وظلّوا بضعة أيام سويّا، ثم انصرف كل واحد منهم إلى ناحية.
_________________
(١) يريد به الشمس.
(٢) قارن أ. ع، ٤٩٢، وعبارة الأصل مضطربة.
[ ٢٦٥ ]