حين أصبح معلوما لملوك الشّام أنّ صبح الفلك الملكي قد أشرق على ديارهم/، أرسلوا الأنزال والأحمال لاستقباله، وانطلق الجيش كلّه والناس أجمعون نحوه، وترجّلوا ونالوا شرف تقبيل اليد، وتغنّوا:
قدمت قدوم البدر بيت سعوده (^١)
ثم قالوا قدم سلطان العالم إلى بيته وقاعدة ملكه، ونحن إنما نضع كلّ ما لدينا لدفع وحشة الخاطر الأشرف طالما كان في الأجل تأخير وفي جعبة الإمكان سهم، وتالله ليحمينّ حمى نفسه من مداخلة الأفكار المزعجة، وليجعل من أسباب تسكين القلب المحزون قول أمير المؤمنين كرّم الله وجهه:
إن للمحن غايات، وسبيل العاقل أن ينام عنها حتى يتجاوزها، ونظم قابوس الذى قاله زمن انتكاس راية دولته (^٢):
_________________
(١) المصراع الأول من بيت عربي، ومصراعه الثاني: وجدّك عال صاعد كصعوده. (راجع الأوامر العلائية: ص ٤٣).
(٢) يعنى به: قابوس بن وشمگير، الملقب بشمس المعالي، أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان، وليها سنة ٣٦٦ هـ، وهو فارسي مستعرب، نابغة في الأدب والإنشاء، وله شعر جيد بالعربية والفارسية، توفي ٣، ٤ هـ. (الأعلام للّزركلي)، وراجع-
[ ١٢ ]
وفي السماء نجوم غير ذي عدد … وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وطوال تلك المدة كان كل ملك يقيم ضيافة للسلطان ويعرض من التّقدمات ما يليق بالوليمة. وفجأة بدا للسلطان أن يتوجه إلى «آمد»، فسارع الملوك إلى تقديم الخدمات بقدر الإمكان، ولزموا ركاب السلطان بضعة أيام برسم الوداع، ثم انقلبوا عند ذاك عائدين بالتشريفات القيّمة.
وحين وصل إلى حدود آمد، أرسل الملك الصالح (وكان صهر السلطان، إذ بنى بكريمة من أولاد قلج أرسلان) أرسل أبناءه مع جملة الحشم للاستقبال، وكان قد زين قصر السلطنة بما تزدان به القصور من خزائن/ ومعدات وغلمان وجوار، ثم تهيأ هو للاستقبال بعد يومين مع كوكبة من الخواصّ، وحين وقع بصره على المظلّة المباركة ترجّل، [فأمر السّلطان الحجّاب] أن يتقدموا مسرعين وأن يجعلوا الملك يمتطي صهوة حصانه من جديد. فلما اقترب عزم على الترجّل من جديد، فأقسم السلطان عليه ألا يفعل، وأن يقبّل اليد وهو على ظهر الحصان.
وحين اقتربوا من المدينة ترجّل الملك الصّالح وأمسك بعنان فرس السلطان، وجعل يسير في الرّكاب الميمون. فلما شارفوا باب القصر نثر أبناء الملك الصالح أطباقا مملوءة بالدّنانير، ولما جلس على العرش بسط الملك الصالح مفاتيح القلاع
_________________
(١) - وفيات الأعيان لابن خلكان ١: ٤٢٥ طبع مصر ١٩٤٨ م وتتمة الأبيات: قل للذي بصروف الدهر عيّرنا … هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يعلو فوقه جيف … ويستقرّ بأقصى قعره الدرر [الأوامر العلائية ٤٤)
[ ١٣ ]
والبقاع في سائر بلاده أمام السلطان. فتعجب السلطان من علوّ همّته، وبالغ في مدحه ثم قال: قبلناها وبأفضل المنن قابلناها ثم رددناها إليك، متّعك الله بها وبأمثالها.
وهنالك وضعوا المائدة ثم رفعوها وتحول السلطان للحريم الملكي لرؤية شقيقته، وحين وقع نظر الملكة على جمال السلطان أكبّت بوجهها على قدم أخيها، وقالت: قد جعلت كل مالي من خدم وحشم نثارا لركاب المليك، فليتّخذ من هذه المدينة مقاما، وينتظر لطف الفعّال لما يريد ومواتاة الأقدار، فلعل المصلحة كانت في الجلاء [عن الدّيار]: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١».
وقضى الأخ والأخت زمنا في هذه المناصحة والمحادثة، ثم توجّه إلى قصر صغير مخصص للخلوة، فدخلت الطواويس «٢» الخضر سافرة لخدمة صقر الفضاء الملكي، فلاحظها بعين القبول، واستراح ساعة مع تلك الفتيات على مخدّة الدّعة ووسادة الرّاحة. ثم انطلق بعد ذلك إلى الحفل، وأخذ يزيل عن حواشي الزمن غبار الحزن بمحاورة الغليظ الرفيع من أوتار النّغم، وأسلم زمام الطبع للمسرة والحبور.
وبعد فترة من الزّمن تحرّكت نفسه للتوجّه إلى أخلاط فيمم وجهه شطر بسيط ذلك البساط.
وحين علم الملك «بلبان» / بيمن قدوم السلطان، أرسل أبناءه وأشياعه للترحيب مسيرة خمسة أيام، وسار بنفسه على الأثر، وجاء مترجّلا في ركاب
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢١٦.
(٢) الطاووس كناية عن حور الجنة، انظر: ابن خلف التبريزى: برهان قاطع.
[ ١٤ ]
السلطان حتى عتبة البيت، وجعل كل ما كان يملكه ابتداء من أنواع النفائس إلى الروح العزيز موطأ قدم مالكه، وأتى بمفاتيح القلاع وتفاصيل خزائن البقاع فوضعها بين يدي السلطان، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يخالجه تردد في هذا الصدد، فقال السلطان: إن مجال فتوة الملك يتسع لمثل ألف مما يقول. والمأمول أن تظل أنهار السعادة تجري- بفضل الباري- في إرم (^١) مرامنا، وتبدو نهاية للحلقة المفرغة للأيام. ويرجى الاعتذار عن ما أبداه الملك من ألطاف.
وبعد فترة من الإقامة هناك، توجّه نحو جانيت، ولبث بها مدّة، ثم استقل منها سفينة للسفر إلى ستنبول، وفجأة هبت ريح من مهبّ: تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن، فتكررت حالة: وجاءهم الموج من كل مكان، فألقى بالسفينة على ساحل بحر ديار المغرب، فما كان منهم إلا أن ألقوا بمراسيهم، وحملوا الأمتعة من ذلك البلل إلى اليابسة بعيون دامعة وشفاه جافّة.
وجعل السلطان يطوف مدة في تلك الأطراف، ويقابل شراسة أخلاق المغاربة بهشاشة ألطاف المشارقة، وكان آمنا من كيد نكد الأيام في كنف رعاية أمير المؤمنين عبد المؤمن (^٢) - ﵁، ونال حظوة تفقّده وتعهّده مّرات عديدة، وفي النهاية ولّى عنانه صوب استانبول بعد أن أذن له الخليفة.
_________________
(١) إرم، يشيع استخدامها في الأدب الفارسي بمعنى الجنّات والحدائق الغّناء، وكان شداد بن عاد قد أنشأ مثل هذه الحدائق الرائعة في شبه الجزيرة العربية أيام عاد الأولى التي سميت بعاد إرم. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، في سورة الفجر الآية ٦، ٧: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ.
(٢) هو عبد المؤمن بن علي بن مخلوف [٤٨٧ - ٥٥٨]، مؤسس دولة الموحّدين في شمال إفريقية خضع له المغربان: الأقصى والأوسط، واستولى على اشبيلية وقرطبة وغرناطة والجزائر والمهديّة وطرابلس الغرب، وسائر بلاد إفريقية. [الأعلام للزركلي].
[ ١٥ ]