في سنة ٦٣٠ لم يقتصر الملك الكامل- لعقله النّاقص وشقائه الخالص- على ملك مصر وحكم بلاد اليمن، بل كان يريد الاستيلاء على مملكة الرّوم لتضاف إلى بلاده. وبدّل التوجّس والتّفرقة بالتّقارب والوحدة، فدعا كفرعون بالآية: فَحَشَرَ فَنادى (^١) وأمر بأن يشنّ الأخوة هجوما مباغتا على بلاد الرّوم كسيل العرم، فلا يقع للسلطان علم بالأمر إلا بعد أن يغزو «الكامل» بلاد الروم ويجلس على العرش.
وقد أنهي هذا الأمر في الحال إلى ديوان السلطان، فلما أحيط علما بهذا
_________________
(١) النّازعات: الآية ٢٣.
[ ٢٢٩ ]
التخبّط من جانب الكامل قال: إذا كان غرور الملك، [بمقتضى قول الله ﷿ عن فرعون]: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (^١) قد حمله على التّفرعن (^٢) والإعراض عن قبلة المودّة، فقصد محاربة هذه الأسرة السلطانية، فإنّ المأمول أن يولّي وجهه صوب القاهرة مقهورا بأسرع ما يمكن وأن يلوذ بالفرار إلى مصر جزاء لما هو مصرّ عليه من الشرّ ويمزّق ثيابه ويلقي بها في النّيل حسرة على ما كان من ملكه للشام.
وفي الحال أمر «كمال الدين كاميار» بأن يتوجّه دون إبطاء بمن حضر من الجند حول الأعتاب السلطانية إلي ممّر «آقچهـ» ويتّخذ اللازم لصيانتها، وألّا يبخل بشيء مما هو معروف عنه من حزم ودراية، لأن المواكب السلطانية ستنطلق في الأثر.
فواصل الأمير كمال الدين مع الأمراء والقادة السّير بالسّري حتّى وصل إلى أوّل «الممر» / فسدّ المنافذ بالشجر والحجارة وشحنها بالمقاتلين.
وبعد يومين أو ثلاثة وصل السلطان بعساكر وفيرة وبصحبته أمراء الرّوم وخوارزم، وما لا حصر له من العتاد والعدّة.
وعندما كان يولي جيش الحبش الأدبار منهزما خوفا من جيش الصّين والختن (^٣) كان الخوارزميّة والرّوم يخرجون من تلك الممّرات ويشتبكون في القتال والنّزال مع رجال الشام، فيقتلون ويجرحون الكثيرين من النّاس دون أن يلحق بهم- بقدر الله- أذى من قبل جيش الشام. وكان السلطان حينذاك
_________________
(١) الزخرف: الآية ٥١.
(٢) في الأصل: فريب (خداع) والتصحيح من أ. ع ٤٣٧.
(٣) يعني إدبار الليل وإقبال النّهار.
[ ٢٣٠ ]
رطب اللّسان بقول الله تعالى: وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (^١).
وذات يوم قال السلطان: ينبغي الوقوف بكل جدّية أمام جيش الشّام عند الصّبح، ولنفصل في هذا الخصام بحكم الحسام. فأخذوا في التأهّب والاستعداد طول الليل. وفي السّحر حين ركب قائد السيّارات حصان الفلك الأسود، وجرّد في معرض ميدان الأفق الشرقي خنجرا من شعاع جال مسرعا هنا وهناك، لبس السلطان بنفسه لأمة الحرب، وراح الأمراء الكبار بأسرهم في الحديد، وولّوا وجوههم صوب الخصم فرووا السيوف زمنا بأوداج الأعداء.
ولم تكن الحرب العوان قد كشفت عمّن كان النصر معوانا له ومن لحق به الخذلان، ولم يكن الكاسر قد سلب المنكسر كرة الظّفر حتي شوهد فارس أقبل ثم وضع رأسه على الأرض، وقال: أيها المليك، تولت عداك (^٢) فعند الصبح سلك الملك الكامل مع إخوته طريق الشّام، ففرح السلطان بتلك البشارة.
وأراد الملك الكامل وإخوته الدخول من طريق «دوزخ دره» «وباغنبك»، وكانت العساكر المنصورة تحرس هذين الممرين، فلما بلغوهما وبدا من المتعذّر فتح ثغرة في الحصار المضروب اضطرّوا إلى التّنادي بالمثل القائل «الفرار بقراب أكيس» (^٣)، واتجهوا إلي طريق حصن «منصور»، فلما بلغوه أضرموا النار في القلعة وخرّبوها، وولّوا وجوههم شطر مصر والقاهرة خوفا من بأس الدولة القاهرة:
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (^٤).
_________________
(١) سورة الصافات: الآية ١٧٣.
(٢) إضافة من أ. ع. ص ٤٣٨.
(٣) المثل العربي: «أن ترد الماء بماء أكيس».
(٤) الأحزاب: الآية ٢٥.
[ ٢٣١ ]