حين قدمت المظلّة المستولية على العالم من العاصمة إلى قيصريّة، دخل فجأة من باب المحكمة تاجر كان برأسه دوار من جّراء سعيه حول العالم كالكرة وراء النّفع والضرّ، فقد كان يداوم على عبور البحر، ويلقي بنفسه مستسلما فوق الماء كزهرة «النّيلوفر» (^٢) رغبة في تحصيل الذّهب؛ فأطلق لسانه بالثّناء كالسوسن، ورفع يده بالدّعاء كالرّمان، وقال: قد اخترت- أنا العبد الفقير- التّعب في طلب الرّزق، ولم أر للسّعادة والطّرب وجها في ليل أو نهار، وصرت أجرى وأركض خلف القوت (الذي ما تحصّل أبدا) فوق رطب الدنيا ويابسها، وأضعت العمر العزيز بددا في الجرى وراء الكثير والقليل لإشباع ما بالبطن من جوع. واتّفق لي أن ادّخرت في قصر الفناء (الدنيا) بضعة دراهم بمئات من ضروب الغصص وصنوف المتاعب والآلام/، وأخذت أتسمّع وأنا في ديار القفجاق والرّوس إلى ما اشتهر به هذا البلاط من عدل وشرف، ومن اغتباطي بذلك ولّيت وجهي صوب هذه الأعتاب، وأردت أن أعبر البحر، فلمّا بلغت معبر «الخزر»، أخذوا مني كل مالي الذي أنقصت عمري في تحصيله.
ولم يكن قد أتمّ كلامه بعد حتى بدأ شخص آخر في الجهر بشكواه قائلا:
كنت قد عقدت العزم على القدوم إلى هذه النواحي من جهة «حلب»، فلمّا
_________________
(١) في الأصل: أمير چوبان: أي أمير الرعاة، ولم يرد هذا اللقب ضمن ألقاب الدولة المملوكية التي أوردها القلقشندي في صبح الأعشي، وهي ألقاب تماثل ما كان لدى دولة سلاجقة الروم. وربما كان هذا اللقب من ألقاب تلك الدولة بخاصة.
(٢) نبات مائي ينبت في الأنهار.
[ ١٥٥ ]
وصلت إلى ولاية «ليفون» أخذوا المال مني، فإن لم يكن لدى النصارى خوف من هذا البلاط فمن أين لنا بعدل سلطان يعالج لواعج هذا الظلم.
وما إن أتمّ كلامه حتى صرخ آخر قائلا: أنا من سكان أنطالية، وضعت كل ما ادّخرته طيلة عمري في سفينة، وبادرت بالسّفر بحرا، فهجم الفرنّجي علينا وأخذ كلّ ما كان معنا وأسر الكثيرين.
حين وصلت هذه التظلمات إلى مسامع السلطان، تملّكه الضيق والاضطراب كأسد العرين، وأمر بأن تجبر أحوال التجّار في الحال، والتفت إلى الأمراء ومشاهير الديوان، وقال: «الروّم إن لم تغز غزت»، إنّه مثّل مشهور، لقد تركنا تلك الطوائف آمنة ساكنة لفرط ما بنا من رحمة، فإن لم يقدّروا هذه النّعمة (^١) لفرط غبائهم وأخذوا في الإضرار بتجّار الدّيار الّذين قد بذلوا أرواحهم ثمنا لرغيف خبز (١) فصاروا مشرّدين في الأقاليم خوفا ورعبا، فإننا لا شك نعذر بل نمدح ونشكر إن نحن أرسلنا الأبطال وفرسان الرّجال (١) لمعك أذن أولئك الضّلّال.
ثم أمر ملك الأمراء حسام الدين- چوبان- وكان من قدماء الأمراء وكبار قادة السلطنة، بأن يسلك طريق «سغداق» /، وسير الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير والأمير كمنينوس بجيش كثيف إلى أرمينيا، وأمر بأن تسوّى كلّ قلعة قائمة على ممر جبلي بالتّراب كخطّ من يظنّ ظنّ السوء، وأن ينكبوا أعداء دين الله نكبة يظلّ أثرها في قلوب الكفار وأرواحهم حتى القيامة، وأرسل
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٣٠٤.
[ ١٥٦ ]
مبارز الدين أرتقش بجيش جرّار نحو الساحل، وسوف نبين فما يلي بالترتيب ما كان لكل واحد منهم من آثار الشجاعة والصرامة (^١)
…
_________________
(١) ترك المؤلف هنا فصلا بأكمله في الأوامر العلائية، بعنوان: ذكر إقامة السلطان بموضع «كيقبادية» في أثناء غيبة الأمراء. انظر الأوامر العلائية ص ٣٠٧ - ٣١٠. وقد أشار المؤلف إشارة عابرة إلى مضمون هذا الفصل في مقدمة الموضوع التالي.
[ ١٥٧ ]