بدأ «سعد الدين كوبك» لخبث طينته وفساد دخله في مكره السيء، فألصق بقيرخان- وكان من كبار أمراء العساكر الخوارزمية-/ تهمة عند غياث الدين، فعرض عليه أنه سيضرب صفحا عن الولاء له، وسيغري به الأعداء إذا ذهب عن هذه المملكة إلى مكان آخر، حيث إنّه قد وقف على ما للملك والجيش من كمّ وكيف. والرأي أن يقيّد لكي يلزم الآخرون جادّة الإخلاص رغبا ورهبا، ولا يفكّرون في مفارقة هذه الحضرة.
ولفرط السّذاجة، وبسبب الغرّة التي هي من لوازم الصّبا والشباب، أمر السلطان بإحضاره فحبسوه في مسجد قصر السلطنة، وحملوه باللّيل مقيدا إلى قلعة «زمندو»، فابتلي هناك بمرض وتوفّي.
فلما سمع الأمراء الآخرون بذلك، لاذوا جميعا بالفرار، فعمّ التّزلزل وفشى الاضطراب في البلاد، وتعرّضت الولاية بأسرها للنهب والغارة. فندب السلطان «كمال الدين كاميار» لاستعادتهم، فانطلق بالجند [الموجودين بالحضرة] (^١) متوجها إلى «ملطيّة»، وأرسل «أرتقش» قائد جند ملطيّة في إثرهم حتى «خرتبرت».
وكان الخوارزميّون قد عبروا الفرات عن طريق «عرب كير»، فاعترض أرتقش مع سيف الدين بيرم «سوباشي» خرتبرت- طريق الخوارزميين، فأرسلوا
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ٤٦٨.
[ ٢٥٠ ]
رسولا برسالة مضمونها: قد انتقلنا من التشرد إلى الهناء والدّعة في ظلّ السلطان السّابق، فلما انتقل إلى جوار ربّه ألقيتم بقائدنا «قيرخان» في السجن دون جرم جناه. فتركنا خدمة هذه الأسرة الملكيّة خوفا على أرواحنا وانطلقنا نجوس خلال الدّيار طلبا للرّزق، والمصلحة أن تعودوا أدراجكم، وألّا تلجئونا إلى الإعراض عن رعاية حقوق النّعمة وأكل الخبز والملح.
غير أنّهم لم يعبأوا بهذه النّصائح لفرط/ ما بهم من غرور وعجب، واصطفوّا في مواجهتهم للقتال. فأصبح «شمس الدين بيرم» (^١) في تلك المعركة مضغة لأنياب الذئاب [وصاروا طعمة للنّسور والعقبان] (^٢)، وتمّ أسر «سيف الدولة أرتقش»، واستولى الخوارزميّون على الكثير من الخيول والأمتعة من تلك المعركة، وانطلقوا مسرعين لا يلوون على شيء صوب ديار الشّام، فاستولوا على «حرّان» و«الرّها»، و«الرّقة»، و«سروج»، وغيرها من المواضع.
ولمّا علم «كمال الدين كاميار» بهزيمة الجيش اتخذت بومة الحزن لنفسها عشا في قلبه وروحه حال قيامه وقعوده، فأعوزه ما يستعين به على التقدّم للأمام، وما وجد مجالا للعودة. بيد أنه اضطرّ إلى العودة وأنهى الحال كما جرت للسلطان.
وأتيحت «لكوبك» اللّعين في تلك القضيّة من الثّغرات الكبار ما أعانه على هدم ما أعلاه الأمير كمال الدين من مبان، وبلغ بالأمر في السرّ الحد الذي سيأتي ذكره حيث أذاق كمال الدين وعددا آخر من الأمراء شربة الهلاك.
_________________
(١) لعله هو «سيف ادين بيرم» المذكور بالصفحة السابقة.
(٢) إضافة من أ. ع، ٤٦٩.
[ ٢٥١ ]