وفي اليوم التّالي دخل جند كثيرون من الجانبين كطلائع، وأخذوا يجولون طيلة الليلة في الجبل والوادي، فلما تفرّق جيش الهند (^١) من جديد، ونزل ملك النجوم في ميدان الإقليم الخامس، رأى كلّ جيش غريمه فجأة، فاصطفّوا وهجم الخوارزميون أوّل الأمر، فجعلوا من نصال السهام ما يشبه الفكر حين دفعوها إلى ضمائر الصّغار والكبار، وأخذ الرّسل يطلقون هنا وهناك صواعق السّهام والمعابل مزوّدة بريش العقبان حتى أبلغ خبر شدّة القوس وقوّة سواعد الأبطال الرّنين بلسان مبين لمسامع الخصوم خفاف الحركة وفرسان تلك الميادين.
فثبت جيش الملك «كثهلان» (^٢) و«حراء» للأمر، وحين مالت ريح صولتهم للرّكود، جرّد الجند مرهفات السّيوف وحرّروا مثقبات الرماح، وهجموا عليهم دفعة واحدة كنوازل الأقدار، فأطاحوا بكل من لحقوا به، ولعبوا الكرة في ميدان المعركة بجماجم تلك الطائفة، كما قذفوا بقلانس السّعادة إلى أجواء الفلك. وتبدّل إقبال الخوارزميين إدبارا والكر انكسارا والهجوم فرارا، وأخذ جندهم من راكب وراجل يتعثّرون ويتساقطون، وقد عزموا على الفرار وتولية الأدبار (^٣). وأهرق دمع العين على فراق الرّوح، واتّصف ملك الأرواح بصفة
_________________
(١) يعني بجيش الهند: الليل.
(٢) اسم جبل.
(٣) في الأصل: دل بمراد نهاده، ولا محلّ لها، وقد اخترنا أن نبدل «فرار» بكلمة «مراد» المثبتة في الأصل ليستقيم المعنى.
[ ٢٠٩ ]
العجز والدّهشة لازدحام النّفوس الشّهيدة، وضاق الجوّ بأفواج الأرواح المفارقة- التي سقطت من المغاربة والمشارقة في تلك الملحمة- كضيق القلوب الولهانة للعشّاق، وضيق صدر البخيل. وقام جند السلطان/ حامدين ذاكرين الله في ذلك المقام، وأرسلوا رجلا لإعلام الحضرة السلطانية بالأحوال، وكان الرّكاب السّلطاني نفسه قد تحرّك، وسارت الجيوش المنصورة وهي تحمد الخالق، فأقبلت على أيمن طائر إلى بلاط الملك المستولي على العالم، وعلم أن الخوارزميين كانوا قد أثخنوا بالجراح في معترك المنايا.
وألقت الحيرة والاضطراب خوارزمشاه في الضّيق والحرج فأخذ يحترق كالشمع من الحرقة، ويعزو تلك النّكبات إلى نفثات «الأرزرومي» وسوء تدبيره وشؤمه. فوسوس إليه «الأرزرومي» حينذاك قائلا: اقبض على أولئك الذين وصلوا هاربين مع قادة آخرين، وانزع أرواحهم بالسّيف البتّار لكي يثبت من تبقّوا في الحرب ثبات الصخور، ولا يسع الخصم التحرّك، وتصدق عليه صفة «وقذف في قلوبهم الرّعب».
فبادر بالقبض على سبعمائة رجل حرّ بريء من جيشه، ووضع الأغلال في أعناقهم، وأمر بضرب رقابهم جميعا. وسوف يبقى هذا إلى يوم الحساب بمثابة خزي وشنار، وإثم وعار، فقد لزم ما قاله ذلك الغدّار أسود القلب، وكان أعدى أعداء نفسه في ذلك الأمر.
***
[ ٢١٠ ]