قال الله تعالى «ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا» (^١):
قد تبيّن للعالمين أنّ الله﷿- منذ أن رقم على ناصية الكائنات رقم الإيجاد، ووضع بيد الملوك من أولي الأمر- وهم من اختصّهم بقوله تعالى:
«وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (^٢) - زمام تسخير العباد وخطام تذليلهم، لم تلق أعلام الإسلام لظلالها- منذ ابتداء الطلوع حتى انتهاء الوقوع- على عاهل كالسلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن/ قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، «إن راية الإسلام لم تظلّ على سلطان أحسن دينا وأصدق يقينا وأوسع علما وأغنى غنى وأعظم قدرا وأفخم ذكرا وأمدّ باعا وأشدّ امتناعا وأجلّ جلالة وأكمل عدّة وآلة وأرفع ملكا وسلطانا وأروع سيفا وسنانا وأحمى للإسلام وذويه وأنفى للشّرك ومنتحليه اكتسابا ووراثة، منه» (^٣) لقد بلغ في العظمة حدّا جعل ملوك الأمصار- مؤمنين كانوا أو كفارا- من أقصى الأبخاز (^٤) إلى أنحاء الحجاز، ومن أوائل «باشقرد» (^٥) إلى منتهى تخوم «ولا شكرد» (^٦)، ومن صحاري القبجاق حتى براري العراق، لا سيّما
_________________
(١) سورة الكهف: ٨٣.
(٢) تضمين من الآية ٥٩ في سورة النساء.
(٣) كتب ما بين الحاصرتين في الأصل باللغة العربية، وقد استعمل الفعل «تظلّ» لازما وعدّاه بحرف الجرّ وهو متعدّ بنفسه.
(٤) الأبخاز: اسم منطقة في تركستان.
(٥) باشقرد: المنطقة الواقعة على سفوح جبال الأورال.
(٦) ولاشكرد (لاشكرد): مدينة مشهورة بكرمان وسط الهضبة الإيرانية وجنوبها.
[ ١١٢ ]
ملوك الشام- يزعمون أنهم غلمان له، ويخطبون الخطبة ويسكّون السّكة باسمه:
رأوا طوعه حتما وفرضا ولازما … وإخلاصه في الدّين والملك واجبا
كان يملك نفسا نضرة بوابل الطّهر، ويتّصف بعدل أنار العالم جملة كعين الشمس، وكان يطيل النّظر والتّدقيق في أموال الخزانة، ولا يحيد في إنفاق الخزائن إلى أي من طرفي: الإفراط والتّفريط، لكنّه كان في مراعاة شأن الأضياف ورسل الأطراف بحرا مواجا وسحابا ثجّاجا، وكان يبالغ في توجيه العتاب بل وإنزال العذاب لأتفه بادرة تحصل من أكبر القادة في الجيش، وكان يستأصل شجر وجودهم كأعجاز نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (^١) من جذوره بفأس البأس والزّجر والتّوبيخ، ويجري عليهم حكم وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (^٢)، فلا جرم أن أصبح التطبّع طباعا مركوزة في الذات عند نوّاب الجهات/ وغدا أصحاب الدواوين يستشعرون الخوف ويصطنعون الأمانة.
روى الأمير الكبير «جلال الدين قراطاي» وكان قطب الأوتاد وقدوة الزهّاد:
«كنت ملازما للحضرة العليا ثمانية عشر عاما في السّفر والحضر ليلا ونهارا، فلم يتناه إلى علمي أن السلطان استراح على فراش النوم- سواء في حالة الصّحو أو السّكر- إلا قليلا، بل كان قد وضع نصب عينه أمر: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (^٣) وكان يعتبر ذلك سببا لرفع درجاته، ومع أنه كان يعدّ اتبّاع مذهب الإمام أبي
_________________
(١) إشارة إلى قول الله ﷿: تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (سورة القمر: ٢٠).
(٢) تضمين من الآية ٢١ في سورة السجدة.
(٣) سورة المزمّل، الآية ٢.
[ ١١٣ ]
حنيفة﵁- في الأصول والفروع فرضا واجبا إلّا أنه كان يحافظ على صلاة الصّبح وفقا لمذهب الإمام الأعظم «الشافعي» - ﵁-.
وكان يقسّم أوقات اللّيل والنّهار على مصالح الملك والمملكة، وكان محالا أن يترك مجالا للهزل في مجلس أنسه، بل كان يشغل المجلس بتواريخ الملوك وذكر محاسن سير الملوك القدماء. وكان أحيانا ينظم بطبعه اللطيف شعرا ظريفا في ضرب «الدوبيت»، ومن بين ما قاله في هذا الضرب:
حين كنت أتمتع بالصحو فإنني كنت أتملك عقلي … فلمّا ثملت توارى العقل مني
اشرب الخمر فبين السكر والصحو … وقت هو أصل الحياة
فإذا ما صدرت من أحد الحرفاء والنّدماء كلمة أو حركة خارج مرتبته ووظيفته فإنه لم يكن يفتح له باب المجلس بعد ذلك أبدا.
«وكان ذكر السلاطين القدماء يجري على لسانه بكل إجلال وتعظيم، وكان ممّن يثق فيهم [ويثني عليهم] (^١) من سلاطين الإسلام: محمود/ بن سبكتكين (^٢) وقابوس بن وشمگير (^٣)، وكان يتشبّه بأخلاقهما. ولم يكن يوقّع
_________________
(١) إضافة من أ. ع، ص ٢٢٨.
(٢) هو السلطان محمود الغزنوي، أكبر سلاطين الدولة الغزنوية، (٣٨٧ - ٤٢١) غزا الهند بضعا وعشرين غزوة، ونشر فيها الإسلام.
(٣) قابوس بن وشمگير، الملقب شمس المعالي، أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان. فارسي الأصل، نابغة في الأدب والإنشاء، وله شعر جيّد بالعربيّة والفارسيّة. توفي سنة ٤٠٣. انظر ما سلف، ص ١٢، هامش ٢.
[ ١١٤ ]
باسمه أبدا دون وضوء، وكان دائم الإطلاع على «كيمياء السّعادة» (^١) و«سير الملوك» لنظام الملك (^٢)، وكان يجيد لعب الشّطرنج، والكرة، والرّمح، وقد اكتسب مهارة وحذقا في الصناعات كافّة من عمارة وصناعة وسكّ النّقود، والنّحت والنّجارة، والرّسم، وصناعة السّروج وكان يحسن معرفة قيمة الجواهر.
(بيت):
إن كانت النبوّة قد ختمت بخاتم الشّرع … فقد ختمت به السلطنة دون السلاطين»
…
_________________
(١) «كيمياي سعادت»، للإمام أبي حامد محمّد الغزّالي (٤٥٠ - ٥٠٥)، ألفه بالفارسية، وجعله بمثابة مختصر لكتابه الكبير «إحياء علوم الدين» وموضوعه الدّين والأخلاق والمعاملات.
(٢) يعني به كتاب «سياست نامه» للوزير السّلجوقيّ المعروف «نظام الملك الطوسي» (ت ٤٨٥) وموضوعه نصح الملوك وسياسة الرّعيّة.
[ ١١٥ ]