حين انتقل الملك الظّاهر- ملك حلب- إلى جوار الحقّ تعالى، كان ابنه- الملك العزيز- قريب العهد من مفارقة المهد، فاضطر أمراء تلك الدولة لمبايعته، وأجلسوه مكان أبيه، فصارت أمّه، وكانت أخت الملك الأشرف حاكمة البلاد، فنبض في السلطان/ عرق المطالبة بملك حلب- حيث كان في حوزة أعمامه من قبل- وقال لأعاظم مملكته: يبدو لنا أن الوهن قد ظهر الآن في ملك الملك الظّاهر فصار من يتصدّى لملك تلك الدّيار طفل وامرأة، فلو أننا قصدنا ولاية الشام بحشد كبير قبل أن يكوّنوا جيشا ويدبّروا أمرا فإن بيرقنا سوف يرفرف- بعون الحقّ- على شرفات تلك الديار، وتظهر الفسحة في رقعة البلاد.
قال الأمراء: جبلت طبيعة الملوك على دفع الأعداء وفتح البلاد، ولكن طالما أن السلطان أنعم علينا- نحن المماليك- برتبة الاستشارة، فلن يبخل علينا بالاستماع لمقالتنا؛ فلئن كان ذلك الولد- برغم صغر سنّه- قد أصبح عزيزا في ديار أبيه فإن آباءه وأجداده طالما أعربوا عن محبّتهم لهذه الأسرة [السلجوقية]، ولطالما أرسلوا الأحمال والتّحف مثلما أرسلوا العساكر وقت طلب المدد. والآن وقد بقي يتيما فلو أن أحدا قصده بسوء لاستعان بهذه الدّولة وطلب العون من هنا. فكيف إذا أرسل ملوك الأطراف يعزّون ويهّنئون وأكّدوا المثل القائل- «صداقة الآباء قرابة الأبناء» (^٢)، ثم جرى من جانبكم شحذ منجل القهر والبأس ليحصد بلاد ذلك الحلف؛ لن يقع ذلك موقع القبول عند كبار الملوك والسلاطين وعظماء الزمان.
_________________
(١) انظر ما كتبه ابن الأثير عن هذا الموضوع في: الكامل في التاريخ، ١٢: ٣٤٧ - ٣٥٠.
(٢) في مجمع الأمثال للميداني «صديق الوالد عمّ الولد». ج ١ ص ٤١٨ ط مطبعة السنّة المحمّدية بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة ١٩٥٤.
[ ٨٨ ]
قال السلطان بعد طول تفكّر: لا شك أن رعاية جانب الملوك من أوجب الواجبات، ولكن إن ارتدي أحد السلاطين سلاح الاقتدار وأسرج حصان الغلبة والسيطرة فإن عليه أن يتنكّب طريق التّصافي:
/ إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه … ونكّب عن ذكر العواقب جانبا (^١)
ولا يخفى على الرأي الرزّين لكل إنسان ما تعنيه مقولة: «لا أرحام بين الملوك». فإن كان ملوك الدّيار قد أرسلوا معزّين ومهنّئين، فما أظهروا الشّهامة والطّيبة إلا بسبب عجزهم، ومن ثمّ لا ينبغي أن نجعل تلك المروءة المفتعلة عنوانا لسجلّ يتمّ فيه تدوين ما لا يفيد ولا يجدي.
وأصدر السلطان أمرا للأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بأن موكب السلطان سيصل إلى تلك الحدود مصحوبا بالجنود والجيوش، فيتعين عليه إذن إعداد جيشه القديم ومن يلوذ به من أهله وذويه، وأن يكوّن جيشا- بقدر ما يستطيع- من المشاة والفرسان، ويجهّز آلة الحصار. كما أصدر أمرا آخر بنفس المعنى لأمراء ملطية وسيواس، وأمرا إلى أمراء «الأوج» بدعوة العساكر المعهودة وأن يتحركوا على الفور دون تلكّؤ أو تباطؤ، وأمرا إلى الأمراء والقادة الذين كانوا في مصيف «بنلو» لكي يتوجهوا بكامل هيئتهم إلى صحراء «آبلستان».
وفي ظرف عشرين يوما تجمّع من أطراف الممالك من الجنود والحشود ما تجاوز حدّ الحصر. فانطلق السلطان مع كوكبة من الخواصّ صوب آبلستان، فلما وصلها أمر بإقامة احتفال عام واستمال أمراء العساكر، فرشّح لكل مدينة من بلاد الشّام أميرا.
_________________
(١) بيت لسعد بن نعشب، انظر الحماسة (طبعة فرايتاج) ص ٣٢.
[ ٨٩ ]
وفي اليوم التالي قال السلطان بعد أن أحضرهم جميعا واستشارهم: في أي طريق ينبغي أن نسير؟ قالوا ليس هناك أسهل من طريق «مرزبان» و«رعبان» و«تلباشر»، فالمسافة من هناك إلى «حلب» أغلبها صحراء [ونادرا ما يعترض الطّريق جبل] (^١). فانطلقت القوّات نحو ذلك الطّريق، ووصلوا أوّلا إلى قلعة «مرزبان»، فاستخلصوها في ثلاثة أيّام، وفي تلك/ الأيام لحق الأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بجيش كثيف بالسلطان، فأمره بالاتجاه من هناك صوب قلعة «رعبان»، فتيسّر أمر السّيطرة عليها بدورها، وفوّض أمر حراستها لصهر الأمير نصرة الدين، واتّجه من ثمّ إلى قلعة تلباشر، فحاصرها عشرة أيام، فلم يكن لذلك أي أثر، فأمر السلطان بقطع الأشجار وبساتين الكروم المحيطة بالقلعة ببلطة القهر، واستئصالها. فلما شهد أهل القلعة ذلك المنظر تجمّعوا عند ملكها وقالوا:
ما معاشنا إلّا من ثمار تلك الأشجار، فإن قطع جيش الروّم ما لنا من كروم ببلطة القهر فمن أين ندبّر رزقنا؟ ومن ثمّ يجب على الملك أن يلتمس لنا العذر إن نحن سلّمنا القلعة الآن.
فطلب الملك مهلة وأرسل رسولا إلى السلطان قائلا: إن أساس انتعاشي أنا وأتباعي إنّما هو من هذه القلعة، فإذا ما انتزعها عبيد السلطان منّي فلست أدري من أين تتيسر البلغة ويتحصّل القوت؛ فلو أن السلطان أقطعني من الممالك المحروسة إقطاعا واستولى على هذه القلعة بدلا عن تلك القسوة (^٢)، [وجعل أهل القلعة بمأمن من ضرر العساكر المنصورة] (^٣) سلّمنا القلعة لمماليك دولة السلطنة.
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ١٨٦.
(٢) قارن أ. ع ص ١٨٨، والنص هنا مضطرب غاية الاضطراب.
(٣) زيادة من أ. ع، أيضا.
[ ٩٠ ]
فأمر السلطان بأن يكتب منشور بمنحه ولاية «هوني» إقطاعا. ووقّع بقلمه عهدا، فعاد الرسول، ورفعوا البيرق، وقرئت الخطبة باسم السلطان، ومنح السلطان قيادة حامية القلعة لأخي الأمير نصرة الدين.
ولما تمّ الفراغ من أمر القلعة تناهى إلى المسامع الشريفة أن «ظهير الدين إيلي پوانه» حين أشاح بوجهه عن ولائه للسلطان سارع إلى هذه الديار فقضى بها نحبه، وهو مدفون هنا. فأمر السلطان بالبحث عن مدفنه، وأخرجت عظام رفاته فأحرقت، وأذري ترابها في الهواء، وبذلك تحقّق له التشفيّ.
***
[ ٩١ ]
وقوف والدة الملك العزيز على مقدم السلطان لتملّك ديار الشام
حين بلغت رايات السلطنة «آبلستان»، أفشى الجواسيس الذين كانوا بالمعسكر ما جرى من أحوال للملكة وجمال الدين لولو- الحاكم ونائب الملكة- فذهلوا بما سمعوا، وبعثوا الرسل بالهدايا الوفيرة إلى الملك الأشرف أخي الملكة، وبيّنوا أن سلطان الرّوم بادر بالهجوم بجيش في عدد النّجوم على تخوم بلادنا، وإنه لو حدث وبسط سيطرته على هذه البلاد فلن تأمن منه على حياتك. ولئن كان قد علق بالخاطر الأشرف غبار من جانب الملك الظّاهر قبل هذا فالواجب إزالته بماء الرّحمة والشّفقة عملا بقول القائل «عند الشّدائد تذهب الأحقاد».
فلما بلغت القضيّة الملك الأشرف صادفت هذه الكلمات المعقولة قبولا عنده، فجمع جيشا كبيرا ولحق بحلب، فلما رأى شقيقته قال: ما للملوك من مال ينبغي أن يوجّه لمثل هذا اليوم، ولئن كان يصرف القليل مما ادّخر على مدى مائة سنة في سبيل الدّفاع، فليبذل ذلك كله رخيصا وبسخاء. فأخرجت الملكة ما كان قد ادّخر لأعوام سابقة دون أن تبقي على شيء أو تذر، وجهّزت جيشا. وفي أثناء ذلك فكّرت في حيلة من شأنها أن تجعل ثقة السلطان تنعدم تماما في جنده، ونفّذت تلك الحيلة.
فقد وقعت على رجل من سكّان بلاد الروم كان يعرف أسماء أمراء الدولة جميعا وما يحملون من ألقاب/ وكانت له صلة بمعظمهم، وبذلت له مالا وفيرا، وحلفت له الأيمان بأن هذا الأمر لو تحقّق ورجع جيش الروم لسلّمته
[ ٩٢ ]
أضعاف ذلك. فكتبوا إلى كلّ أمراء الرّوم رسائل جوابيّة مزوّرة، تتضمّن التعبير عن الاغتباط بما أبدوه من وفاء وحسن عهد، وبما وعدوا به من أن يحتالوا لدفع السلطان نحو حدود الشام. فها نحن أولاء أيضا قد عقدنا النيّة على عدم المدافعة. وينبغي بذل ما في الوسع للحيطة من السلطان خشية أن يعلم بشيء من هذا الأمر، وإلا فإن كل المساعي تذهب عند ذاك هباء، وأنه قد أرسل برسم النّفقة لكلّ واحد من الأمراء أنواع من الذّهب المصري والخيول العربية في صحبة فلان، وأنهم سيروا تلك الأحمال المذكورة فعلا (^١).
وقالت لذلك الرجل: تقدّم إلى حيث يعسكر جيش السلطان، وألق بنفسك في خيمة بعض المقرّبين إليه، وأفش هذا الأمر إليه على سبيل الإنذار، وقل إنني كنت في وسط جيش الشام حين وصلت رسائل سائر الأمراء إليهم، وأنهم قد أتوا بالكثير من الأموال والأمتعة من الشام لكل واحد منهم، وجهّزوها في الموضع الفلاني، وجلسوا ينتظرون الفرصة لكي يسلّموا كل واحد نصيبه منها، وإن لم تصدّقوني اذهبوا إلى الموضع المذكور لمشاهدتها.
وبهذه الفرية دخل ذلك الشخص سلّة الحيلة، ورمى بنفسه على أحد غلمان السلطان، وأسّر إليه بالأمر، فأبلغ الغلام حضرة السلطنة في الحال، فأرسل السلطان الأمناء مع ذلك الشخص- الذي كان الغلام قد دلهم عليه- إلى المكان المعلوم فأخذوا الأحمال والخزائن وذهبوا بها إلى السلطان، ووجدوا رسائل مختومة في كيس. فلما قرأ السلطان الرسائل/ نهض وانتفض وساء ظنّه بالأمراء البرآء وأمر بالقبض على ذلك الشخص كي لا يطّلع أحد على الأمر.
_________________
(١) قارن أ. ع ص ١٩١؛ وفي الأصل نزد آن كرد. وهو تصحيف بلا شك ل: روان كردند.
[ ٩٣ ]
وفي اليوم التالي أمر السلطان أمير المجلس بالتقدّم- كطليعة- مع أربعة آلاف رجل، وبأن يتقدّم في أعقابه أربعة آلاف رجل آخر بقيادة سيف الدين آينه [چاشني گير]، وسار السلطان بالقلب في إثرهما مع أربعة عشر ألفا. فلما اقترب أمير المجلس من جيش الشام، كان محمود آلپ- وهو من رؤساء العشائر في «سيواس»، وقد بلغ من العمر ثمانين عاما وشاهد أنواع الحروب وضروبها، وتلقى صنوفا من الطّعن والضرب- كان يسير على تلّ عال، وينظر إلى جيش الشام نظرة التفحّص والاختبار، فلما سبر غور قوات المقدّمة بمسبار الاستقصاء جاء إلى أمير المجلس وقال: الدّخول في صدام مع عساكر الشام بأربعة آلاف رجل أمر يبدو بعيدا عن الكفاية، فحبّذا لو أبلغ «چاشني كير» لكي يصل بالمدد بصورة أسرع، كما يتم إبلاغ قلب الجيش للمسارعة بتحريك الرّكاب السلطاني فيلحق بنا متعجّلا.
ولكي ينفذ الحكم الأزلي، ويخرج ريح الغرور من أنف المغلوب فيبدو متغلّبا، لم يلتفت أمير المجلس إليه، وصاح صيحة الحرب، فأخذ محمود يصرخ ويئن قائلا: إن التعجيل ليس مستحبا عند الله تعالى، فلم يسمع الأمير، وأجاب إجابات باردة، ورغم أنه هزم جيش العدو في الهجوم الأول، وبعث بمن يبشّر «چاشني گير»؛ فإن أحد فرسان الروم أسر- بطريق الصدفة- بيد أحد أمراء الملك الأشرف، فحملوه إلى حضرة الملك، وسألوه: هل السلطان موجود مع هذا الجيش؟ فأجاب بأن السلطان بعيد، وما هذه الآلاف الأربعة إلّا طليعة يقودها أمير المجلس، وسوف يصل الأمير «چاشني گير» / بأربعة آلاف في عقبه.
فصاح الملك الأشرف في الحال: المستغاث يا مسلمين، لا تفروا، فمدد
[ ٩٤ ]
هذه القوات بعيد، فكرّوا وهم ممتلئون حميّة وحماسا، وهجم غلمان العادلي والظاهري، وقتل من الجانبين خلق كثير. فسيّر أمير المجلس فارسا إلى الأمير «چاشني گير» ليبلغه بأن العدوّ غلب فليصل مسرعا كي لا تحدث كارثة. قال چاشني گير: «أيظل يكذب حتى الآن (^١)، أنذهب نحن الآن ونهزم الجيش وتعلو شهرته هو»، ولم يتقدّم خطوة واحدة، ولم يبلغ السلطان لكي ينفذ القضاء السماوي.
وأسر أمير المجلس مع فوج من الأمراء، فلما حملوا أمير المجلس إلى الملك الأشرف، خفّ لاستقباله، واستدعى الجرّاحين فجففوا جراحاته، وألبسه خلعة خاصّة، وأرسله مع سائر الأسرى إلى حلب، وعيّن الموكّلين به، وبعث بوصيّة إلى الملكة أن بالغي في تعظيم أمير المجلس، وأظهري غاية الإعزاز له.
ولما وصل الخبر لحضرة السلطنة انتابته الحمى، واستعر جحيم غضبه، وأصدر چاشني گير الأمر بأن يلبس كل العساكر لأمة الحرب، ولا ينامون (^٢) الليل. وفي اليوم التالي أرسل الملك الأشرف ألفين من الأعراب وطلب منهم أن يتقدّموا لتفقد أمر السلطان ومعرفة أحواله وما يكون من تحرّكه وانهزامه. فلما
_________________
(١) ينقل صاحب الأوامر العلائية، ص ١٩٣ عن الأمير چاشني گير أقوالا أكثر تفصيلا وأبلغ دلالة؛ فبعد أن يأتي من أقواله بالعبارة المذكورة في المتن يضيف: «لقد سير رسولا أبلغ بأن العدو قد لاذ بالفرار، ثم ها هو ذا يريد مددا، وحين يتحقق المراد ويغدو منتصرا دون أن يبذل جهدا، وإنما نكون نحن الذين قمنا بالعمل، تسري في العالم الصيحة بأن أمير المجلس هزم جيش الشام» ثم يشير صاحب الأوامر العلائية إلى أنه «من فرط الحسد والحقد الذي كان يشعر به أمراء الروم تجاه بعضهم .. لم يتقدم چاشني گير خطوة واحدة، بل تراجع إلى الوراء»
(٢) في الأصل: بخسبند: وينامون، والتصحيح من أ. ع ص ١٩٤.
[ ٩٥ ]
وصلوا رأوا الخيمة الملكية قد ضربت والجيش كلّه قد لبس لأمة الحرب. فلما ظهر الأعراب من إحدى النواحي هرب الجند فقال السلطان: يا كافري النعمة، لئن كان أحد الأمراء قد نكب فلا زال الجيش والسلطان والمظلّة والقائد باقين.
فلما سمعوا هذا العتاب السّام المرير هجموا هجمة رجل واحد، وبقفزة واحدة أحالوا فضاء الصحراء- بدماء الأعراب- مكانا للشّقائق الحمراء، وجعلوا سيل الشّقائق يتدفّق على الزمرّد [الأخضر] السّاكن.
/ فهيّأ الملك الأشرف الصّفوف، وحضّ الجيش على القتال، ثم وقف حيث هو، وقال: إن جاءوا بذلنا ما في وسعنا، وإن رجعوا فهو المراد.
وأمر السلطان بأن يتقدّموا بالدّهليز، ثم ظهرت طليعة لجيش العرب، فلقيت ما لقيه السابقون من جراحات وغارات، فتراجعت، وقالوا للملك الأشرف إن دهاليز السلطان أقيم اليوم مرّتين، ثم نصب ثانية. قال: لعل السلطان يريد القتال والأمراء يرفضون. فلما حلّ الليل تقاعس السلطان قليلا. وظل الأمراء والجند هناك، وبمجرد أن انبلج الفجر تحرّك من ثمّ متوجّها إلى آبلستان.
وحين علم الملك الأشرف برجوع السلطان انصرف بدوره إلى حلب. فلما تأكّد أن السلطان لحق بآبلستان أنهض الجيش وانطلق إلى «مرزبان» و«رعبان»، وبعد حصارهما أنزل محافظي القلعتين، وكان السلطان قد أقامهما هناك، فلما فرغ من المهمّة أطلق سراح أمراء السلطان ومحافظي القلعتين بكل احترام وتبجيل، وولى وجهه شطر حلب، فخلع على أمير المجلس (^١) وبقية الأمراء خلعا وقدّم لكل منهم صلة وبعث بهم إلى حضرة السلطان، وانصرف هو إلى دمشق.
_________________
(١) «الذي سبق أن قبض عليه وبعث به إلى حلب» (أ. ع، ١٩٥).
[ ٩٦ ]
وتوقّف السلطان بضعة أيام في «آبلستان»، فلحق بخدمته هناك أخو نصرة الدين وصهره من قلعتي «رعبان» و«تلباشر» اللّتين سلماهما للملك الأشرف.
وكان السلطان قد أثقلت على نفسه تلك الرّسائل الجوابيّة المزوّرة، وحلّ به الاضطراب من هزيمة الطّلائع، فأمر بإعدامهما.
وفي اليوم التالي أمر بأن يحضر الأمراء جميعا إلى الديوان وأسرّ إلى خواصّه بأن يتسلّح أمراء المفاردة [وغلمان الخاصّ السلطاني] (^١) خفية وينتظروا صدور الأمر. فدخل الأمراء بأسرهم وجلسوا، فطلب السلطان الرّسائل الجوابيّة من «الدواتدار» (^٢) وألقى بكل منها لمن كتبت له من الأمراء/. وما إن قرأها أولئك المساكين الأبرياء حتى بهتوا وذهلوا، ونطقوا قائلين: «سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ» (^٣)، وأنكروا الأمر وقالوا لا يجوز للمليك أن يلتفت لحيلة الكائدين وينسبنا إلى العقوق والخذلان دون دليل وبرهان، وينزل بنا العقاب، فلن تكون عاقبة ذلك إلا النّدامة، وزاد نواحهم وعويلهم غير أنه ما ترك من أثر، فأمر بوضع الشيلان في أعناقهم جميعا وإدخالهم بيتا بعد وضع القيد في أيديهم ويضرموا حول البيت نارا كنار النّمرود، فأخذوا في إحراق أولئك الأبرياء، وكان الدّخان يتصاعد متجاوزا الفلك الأزرق فيصل زفيرهم وأنينهم إلى عنان السّماء. وكان أحدهم إن استطاع أن يجد ثغرة يقفز منها نحو الباب تلقفه «الفرّانون» الغلاظ الشّداد وألقوا به إلى الموكّلين بالتّنفيذ فيعيدوه إلى النّار ثانية مرغما.
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ١٩٥.
(٢) يعني به رئيس ديوان الإنشاء.
(٣) النور: ١٦.
[ ٩٧ ]
وفي الليل- عند بطلان الحواس- أخذ يتلقى أثناء النوم الكثير من اللوم من عالم الغيب [على ارتكاب ذلك الفعل القبيح والعمل الشنيع] (^١)، فكان ينهض مذعورا من نومه كمن يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ (^٢)، واستولى عليه الاضطراب وتملّكه النّدم لما فعل، (شعر):
- إن ضاع الكأس من اليد وانكسر الدنّ، … فما جدوى العضّ على الشّفة وتقليب اليد.
ووجّه السلطان اللّوم إلى بقيّة الأمراء قائلا: لماذا امتنعتم عن نصحي حينذاك، فاعتذروا، وعزوا الأمر إلى القضاء السماوي.
وبسبب ذلك الوهم، تمكّن مرض السلّ من السلطان، وقيل إن ماء «سيواس» لا يناسب مزاجه، فحملوه إلى «ويران شهر»، وكانوا يأتون بماء من «الفرات» يومّيا من «ملطيّة» وينقل طازجا يدا بيد إلى الشرابخانه (^٣) / غير أنه لم يبلّ من مرضه. فنظم هذا الدّوبيت من إملاء قريحته الشعرية، (شعر):
- تركنا الدنيا، ومضينا، غرسنا تعب القلب، ومضينا … - فالنوبة بعد ذلك نوبتكم، لأننا، أخذنا نوبتنا، ومضينا
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ١٩٥.
(٢) البقرة: الآية ٢٧٥.
(٣) قارن أ. ع، ص ١٩٨ والشرابخانه: «بيت يشتمل على أنواع المشروب من المياه على اختلافها، والسكّر والأشربة والدّرياقات والسّفوفات والمعاجين والأقراص .. وما يجري هذا المجرى … إلخ» (شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، طبع دار الكتب المصرية ١٩٣١ م، ٨: ٢٢٤).
[ ٩٨ ]
وأمر بنقش هذا الدّوبيت على قبره الذي كان قد بناه- بأمر نافذ- في دار الشفّاء بسيواس. وهنالك انتقل من دنيا الفرار إلى دار القرار، واختار- وهو بعد في شرخ الشباب- مفارقة الحياة شاء أم أبى. والمأمول أن يمحو ما قدّم من حسنات كلّ ما أخّر من سيئات (^١)، والله غفّار الذنوب.
ثم إنهم عهدوا به- بعد جلوس السلطان علاء الدين على عرش البلاد- إلى «رضوان»، في تلك الرّوضة المقامة هناك بدار الشّفاء بسيواس.
…
_________________
(١) نقلا عن أ. ع، ص ١٩٩، والمعنى في الأصل غير واضح.
[ ٩٩ ]