لمّا سمعت «رسودان» ملكة الأبخاز بتوغّل عساكر السلطان وبالنّكسة التي حلّت بالقلاع الواقعة بتخوم بلادها ونجمت في بقاعها بفعل حوافر الخيل الجوّابة التي يمتطيها المقاتلون من بلاد الرّوم، خاصمتها الراحة وجافاها الهدوء والسكينة. وبعد إدارة أقداح الاستشارة رأت المصلحة في أن تدخل من باب الملاطفة والمسالمة مع أرباب الدولة. ومن أجل ذلك فتحت باب المكاتبة مع الأمير كمال الدين، والتمست الأعذار عن ما كانت قد عاينته من خبث أمرائها [بسماحهم لجيش المغول بالتوغّل في بلاد الرّوم] (^١)، وأرسلت الأحمال.
وقالت: إني خادمة السلطان، أطيع كلّ من يأمر به وأذعن له، وأغلب الظن أن الرّضا بالعفو لا يكون مقرونا بتخريب بلادي، وأن لا يجيز ملك الأمراء- بما يتمّيز به من كمال الكرم ومحاسن الشّيم- أعمال الظّلم. والمتوقّع من ألطافه الإبقاء على بقايا البلاد، وأن يطلع الأعتاب السلطانية على رغبتنا في الصّلح، وحين تلوح آثار العناية والتعطّف سيتم تأكيدها بطريق المصاهرة والقرابة، إذ يجول بخاطري أن تصبح ابنتي المطهّرة- وهي من صلب سلجوق ومن أصل داود (^٢) - قرينة لملك الإسلام غيّاث الدّين كيخسرو بحكم ما حصل من جوار بين ديارنا.
فقرن ملك الأمراء كمال الدين- بما عرف عنه من دهاء وحسن إدراك- ملتمس الملكة بالإجابة/، ودعا إليه الجند. ثم أبلغ السلطان بنبأ فتح ثلاثين أو
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٤٢٢.
(٢) تريد به داود بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بن سلجوق، وهو ثانى سلاطين سلاجقة الروم، تولى الحكم بعد وفاة أبيه سليمان مؤسسة الدولة. انظر شجرة نسب سلاجقة الروم فى آخر هذا الكتاب.
[ ٢٢١ ]
أربعين قلعة مشهورة معمورة، وسبي الذّراري ونهب الأموال والمواشي وتشبّع الجيش بالمال.
وكان السلطان- منذ أن بعث بالجيش في إثر المغول- قد كفّ عن إحياء الحفلات وأمسك عن الطّرب، ولبث يترصّد الأخبار السارّة. فأمر في الحال بإحياء الحفل، وتمّ استدعاء حرفاء الطّرب. وتمّت إجابة الأمير كمال الدين بردّ موشح بالتوّقيع الأشرف للسلطان، مشفوع بالإعراب عن الرّضا بما بذل من مساع مشكورة وخدمات مبرورة، وصدر الأمر بأن يسمح للعساكر بالعودة إلى الأوطان، وأن تعدّ مصاهرة الملكة مقرونة بالقبول، وألا يسمح للجيش منذ الآن بإلحاق ضرر بولاية الأبخاز.
فاستدعى الأمير كمال الدين الأمراء، وأبلغهم بالأمر، ثم ارتحل. وحين لحق بحدود «أرزنجان» أمر الجند بالانصراف، وسارع هو إلى الحضرة السلطانية، فنال من الإكرامات والكرامات ما لم ينله أحد.