حين علم ملك الرّوس بفساد حال رجال القبجاق، قال: إنّ جلب البلاء على النّفس وسلوك طريق الحرب مع هؤلاء القوم ذوي المخالب الحادة أمر بعيد عن العقل والكفاءة، وحيثما انتظم الأمر بالشّعر والنّثر كان الّلجوء لسفك الدّماء بالحسام والسّنان فجاجة ونقصا.
فاختار رسولا ذا هيبة وفهم، صحيح العقل، وكتب رسالة تشتمل على ما يلي:
أطال الله في عمر السلطان علاء الدين كيقباد ألف عام. ليكن معلوما لملك الأمراء أنني مذ سمعت أنّ رايات ملك العالم الغالبة وجيشه قد توجّهت إلى هذه/ النواحي، اضطربت الروح في جسدي، وأنا لا أدري ما الأمر؟ ومن الخصم والمنازع؟ فإن كان جيش القبجاق قد وقع بحماقته في الضّلالة، وأهرقوا الكثير من الدّماء الزكيّة على الأرض هدرا، فما أنا إلا مملوك للسلطان، بكلّ إخلاص ويقيني أنكم إن استخلصتم هذه الدّيار بالسيف البتّار فلن يسلم لكم ضبطها وإصلاحها دون قائد، فاعتبروني أنا نفسي المملوك الذي استعملتموه لها.
وإنني أتوقّع من حضرة ملك الأمراء أن يبذل شفاعته في هذا الباب، وأن يرسل للسلطان مبيّنا له خشوع هذا المملوك المسكين وخضوعه.
ثم إنه أرسل الرّسول بتحف كثيرة من الجلود والكتّان الرّوسي وعشرين ألف دينار لملك الأمراء. فلما اقترب السّفير من الجيش، ودقّق النّظر في الجند
[ ١٦٢ ]
والضّبط والرّبط وخيمة العظمة وديوان الرّفعة (^١) سكت وقد طار لبّه وهمس مناجيا الله قائلا: يا ربّ الأرباب.
وحين أبلغ ملك الأمراء بوصول رسول ملك الرّوس أمر بأن يتقدم المضيفون لإنزاله في خيام الإكرام بمنتهى الحفاوة. وفي اليوم التالي أرسل في طلب الرّسول. وكان قد أمر قبل ذلك بتزيين الباب وخيمة القيادة بكل أبّهة ممكنة بأن يصطفّ هناك عدد من الشّباب المختارين وقد لبسوا السّلاح، وأن تنتظم خيول الدّورية بالطّوق واللّجام بمحاذاة الخيمة، وأن تغرق باقي الجيوش فوجا فوجا في الحديد المذهّب من مفرق الرّأس إلى حافر الحصان فتقف في كل ناحية وقد وضعت الرّماح على الأكتاف.
استراح المبعوث الرّوسي زمنا عند باب خيمة القيادة ثم دخل حضرة ملك الأمراء، فوضع رأسه بكل مذلّة على الأرض، وسلّم الرّسالة والتّحف فقبلها ملك الأمراء جميعا وفرّقها في الحال على الجيش، وأبقى عليه عنده ثلاثة أيام ثم دعا الأمراء في اليوم الرّابع/ وقال: طالما أنّ الروسي سلك طريق المداهنة فعلينا نحن إذن الإبقاء على أحكام السلطنة وشرعتها، ثم نعرض أمره على حضرة السلطان. فما الذي ترونه صوابا في هذا الشأن؟ قالوا جميعا: ما من فكر ولا رأي أفضل من هذا. فعندئذ استدعى الرّسول وقال له: إن السلطان لا يلقي أحد أبدا في هاوية الهوان دون ذنب اقترفه، بيد أنه لا يسمح بإهمال ولا إمهال في البطش بالمتمرّدين، (بيت):
- لو جعلت من نفسك مملوكا له لأصبحت ملكا،
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٣٢١.
[ ١٦٣ ]
ولو أذعنت لأمره لأصبحت موفّقا مسدّدا.
والمأمول أن يغدو كل ما يبتغيه ملك الرّوس ميسّرا، وأن يعود ما يرسيه من أسس المحبّة بالنّفع عليه.
ثم صرف الرّسول مزوّدا بالخلع والهدايا، وبخلعة من الخاصّ السّلطاني وقلنسوة سلطانية مغرقة، إضافة إلى رسالة مشحونة بفنون التّعاطف. ثم إنه أرسل بعد ذلك إلى «سينوب» و«قسطمونية» من الغنائم مالا يدركه الحصر.
***
[ ١٦٤ ]