لما كان السلطان قد التزم بانتهاج الأوامر الإلهية والامتثال للأحكام النبوية في كل آرائه وعزائمه، فإنه كان يريد- بحكم النصّ: «تخيروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس» أن يزدان حريمه الكريم بوجود جوهرة تتألّق في الليل البهيم قد ربّيت في صدف العصمة، حسيبة الأبوين، كريمة الطرفين، وأن يجلسها إلى جانبه على سدّة السلطنة بهذه الصّفة الموزونة المتناسبة، فأجال بريد الفكر حول أطراف الدنيا، ولم يجد أسرة أشدّ احتراما وجلالا من أسرة الملك فخر الدين بهرامشاه، لأن تلك الصّدفة المشتملة على درّة الغوّاص ويتيمة الدهر كانت قد استخرجت من «عمان» الفضل والإحسان (^١) والأصلاب الطّاهرة والأنساب الزّاهرة للسلطان قلج أرسلان، وانبعثت من جرثومة سلجوق (^٢)
ولما لم يجد بعد طول الاستخارة ويمن الاستشارة فوق هذا الاختيار مزيدا، رتب الأفانين من الهدايا الثّمينة والتّحف النّفيسة الضّنينة من الخزانة العامرة، وندب واحدا من أولي الألباب للمفاتحة في هذه الخطبة (^٣)، وأرسل تلك الأحمال والهدايا في صحبته.
فلما وصل الخبر للملك [فخر الدين] ابتهج واستقبل الرسول بنفسه، وأنزله بالإعزاز والتّكريم في بيت الضيافة، وعدّ المبالغة في احترام جانبه من
_________________
(١) استخدم المؤلف «عمان» بمعنى البحر الذى تستخرج منه اللآلىء والدرر.
(٢) سلجوق: الجد الأعلى للسلاجقة.
(٣) قارن أ. ع، ص ١٧٣.
[ ٨١ ]
أوجب الواجبات/. وفي اليوم التالي دعا الحاشية لاجتماع عام، وأحضر الرسول. فأعطاه الرسول رسالة السلطان بعد أن قبّلها، وأبلغ المشافهات، وأوضح الملتمسات، وسلّم الهدايا مشفوعة ببيان تفصيلي لها إلى الخزّان.
فصاح الملك على ملأ من الناس قائلا: بأي لسان يمكن شكر مثل هذه الموهبة. فلئن كنت قد تلقيت أمرا بأن تنتظم ابنتي في زمرة السراري والجواري لكان ذلك مدعاة لفخر أعقابي وخلفي من بعدي فكيف وقد منّ عليّ بمثل هذا الفضل، قبلت على الرأس والعين، ولكن لو أذنتم لي في مهلة قدرها ثلاثة أشهر لتهيئة ما تتمّ به الواجبات، وتجهيز ما يليق بالبنات لكان ذلك مقرونا بالصّواب.
وحمّل الملك الرسول بأنواع الجوائز، وكتب بخطّه رسالة جوابية مشتملة على الانقياد والامتثال وتقلّد المنّة، وبعث بها في صحبة الرسول. ثم عمد إلى تجهيز الواجبات وإعدادها، وأحضر كلّ صانع حاذق وصائغ فائق، واستمرّ العمل ليلا ونهارا مدة ثلاثة أشهر. وهذّب ورتّب الأكاليل المجوهرة والخلاخل المعنبرة والخواتيم والمعاصم الثّمينة والملبوسات الفاخرة المرصّعة بفنون الجواهر، والبغال ذات النّعال الذهبية، وخيولا مسيرها كمسير ريح الصبا، وبخاتيّ (^١) في ضخامة الجبال، في قافلة مملوءة (^٢) بما لا يشمله الحصر من الأحمال والنقود والمتاع.
وسيّر [الملك فخر الدين] الصّدر القاضي شرف الدين- وكان من أكابر
_________________
(١) جمع بختى، وهو الجمل الخراساني، ذو السنامين.
(٢) في الأصل: بر: على، والتصحيح من أ. ع، ص ١٧٥.
[ ٨٢ ]
العلماء- بتحف وفيرة للإبلاغ بأن أسباب الصّلاح (^١) وإبرام عقد النّكاح قد تهيّأت. فلما وصل إلى «سيواس» بذل مبارز الدين بهرامشاه أمير المجلس أنواع المكارم تكريما لقدومه الكريم، وتوجّه في صحبته إلى حضرة السلطان، وتقدم إلى «كدوك»، وعرض الأمر، فأرسل السلطان أركان الدولة لاستقبال القاضي شرف الدين، ودخلوا المدينة في أبهّة كاملة وجلال بالغ.
وفي اليوم التالي حين مثل القاضي بين يدي السلطان، رأي من الإكرام/ ما ليس له حدّ، وسأله السلطان وبالغ في السؤال عن حال الملك فخر الدين، فتحدّث القاضي شرف الدين- بعبارة كانت عين البراعة- فحمد الله- تعالى- ومدح السلطان ثم أبلغ بحال الملك، ودعا له، وأشبع الأسماع بتفاصيل الحكايات، وعرض الودائع والتّحف، التي قرنت بالقبول والشّكر. ومن هناك نزل القاضي بكل إعزاز في «الوثاق» (^٢)، ثم تتابعت عليه أفضال السلطان وكراماته.
وفي اليوم التالي جاء قضاة الأمصار والأئمة الكبار- وكانوا قد تجمعّوا لهذه المهمّة- إلى قصر السلطان. وكان السلطان قد أمر بقطع نقدية من الذّهب فئة الألف، والخمسمائة، والمائتين، والمائة، والخمسين مثقالا فعبّئت في سكارج السّكر، ووضعت في أطباق من ذهب وفضّة، كما أمر بأن تملأ البركة [الزرقاء] (^٣) المعنبرة بالزّهر والمعرّقة بالمرجان [والتي تتوسط الإيوان] (٣) بماء الورد
_________________
(١) في الأصل: نجاح، والأوفق ما ورد في أ. ع، الموضع السابق ذكره.
(٢) لعله يريد بالوثاق مكانا بداخل القصر، لا يدخله إلا من كان مؤتمنا موثوقا به. أو هو البيت أو الدار على وجه العموم، انظر مثلا فيما سبق، ص ٢٠.
(٣) زيادة من أ. ع، ص ١٧٦.
[ ٨٣ ]
بدلا من الماء، فبدت البركة كأنها سماء اتخذت لنفسها في جوف الأرض منزلا.
فوضع أمام كل إنسان طبق يناسب منزلته ويلائم رتبته، وحضر الوكلاء والشّهود من الطّرفين.
وكان القاضي صدر الدين لهاوري- الذي تولّى عقد النكاح- قد بدأ بالخطبة التي كان أمير المؤمنين المأمون قد قرأها في زواج بعض أقاربه، على سبيل الإيجاز والتبرّك، فالتفت صوب خدم الحرم، وقال: (^١)
«المحمود هو الله، والمصطفى رسول الله، وخير ما عمل به كتاب الله، قال الله تعالى: وأنكحوا الأيامى … الآية. ولو لم تكن من الصّلة آية منزّلة ولا سنّة متبعة إلا ما جعله الله في ذلك من إلف البعيد وبّر القريب لسارع إليه الموفّق المصيب وبادر نحوه العاقل اللّبيب، والسلطان الغالب عزّ الدين أبو الفتح كيكاوس ابن كيخسرو بن قلج أرسلان من قد/ عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خطب إليكم فتاتكم «سلجوقي خاتون بنت الملك فخر الدين بهرامشاه بن داود»، وبذل من الصداق مائة ألف دينار حمرا، خمسين معجّلا وخمسين مؤجّلا، فشفّعوا شافعنا (^٢)، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا وتؤجروا بحمد الله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله أجمعين».
فقالوا: «قبلنا الخاطب، وبذلنا المخطوبة، لا زالت سحايب الأفضال عليهما مصوبة» (^٣).
فلما تمّ إبرام عقدة القعد، واستحكم حبل المواصلة بلغت صيحة بالرّفاء
_________________
(١) الخطبة كلها واردة في الأصل بالعربية.
(٢) في الأصل شافعيا.
(٣) قارن أ. ع ص ١٧٧.
[ ٨٤ ]
والبنين أعلى علّيين. وأخذ الذّهب والجوهر يتساقط كالمطر بغير حدّ ولا حصر في الصّفّة وفي ساحة القصر كما تنتثر زهور الرّبيع هنا وهناك بتحريك نسيم السّحر لأوراق الورد النديّة.
ووضعت مائدة الخاصة السلطانية ودعي إليها العامة [فمد كل إنسان يده للتّناول والتّجاذب والتّخاطف، ونال بذلك نصيبه مما حفلت به الضّيافة السلطانية من مكنوز وملبوس ومأكول ومشروب] (^١)، ثم انفرط عقد الشهود كحبّات العقد فتفرّقوا، بحكم الآية الكريمة: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا (^٢)، وذهب القاضي شرف الدين إلى مكان إقامته، فأرسل السلطان في إثره ذهبا وخلعة وبغلا مطهّما.
وفي اليوم التالي أمر أمناء الخزانة بإعداد الأمتعة التي سيحملها معهم من يذهبون لاستدعاء الهودج، الذي عهد السلطان بأمر إحضاره إلى الأمير مبارز الدين بهرامشاه، وأمر زوجات الأمراء بالانطلاق إلى «أرزنجان» المحروسة لخدمة الملكة [وبأن يعدن في صحبتها] (^٣).
فلما تمّ الإعداد للأمر ارتحل أمير المجلس والقاضي شرف الدين وسائر الخواتين، وما إن لحقوا بحدود «أرزنجان» حتى تقدّم القاضي، وأخبر بوجود جيش حاشد في صحبة أمير المجلس والخواتين الشّهيرات، فرتّب الملك لكل إنسان نزلا على قدر مكانته، وخرج في صحبة وصيفات القصر ورجاله، ومعه أعيان أمرائه/ وخواصّه. فلمّا اقترب أمير المجلس من المدينة سار الملك لاستقباله
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) الأحزاب. الآية ٥٣.
(٣) زيادة من أ. ع ص ١٧٨.
[ ٨٥ ]
بالأعلام والبيرق والطبول. ولما تلاقى الجمعان ووقع نظر أمير المجلس على بيرق الملك ترجّل. وحين رأى الملك طلعة أمير المجلس نزل بنفسه وتعانقا ثم ركبا بعد الملاثمة والمعانقة. وأبلغ أمير المجلس سلام سلطان الإسلام، وهنا وضع الملك رأسه على الأرض وقال: ما أنا إلا مملوك لملك العالم.
واستمرّ الحديث بينهما على هذا النّحو حتى لحقا بالمدينة، وأنزل الملك أمير المجلس وأمراء السلطان بقصره، وبسط المائدة الملكيّة، ثم أقاموا حفلا، وأداروا الكؤوس الثقيلة.
وفي اليوم التالي، أرسل أمير المجلس الأمتعة والأموال والخزائن التي كان السلطان قد بعث بها مع قائمة مفصّلة إلى حضرة الملك، والذي أثنى ثناء جزيلا على علوّ همّة السلطان، وغمر الحمّالين بالإنعام. وظلّ الطّرفان طيلة عشرة أيام مستغرقين في المتعة والسرور حتى تمّ الإعداد للرّحيل. وحين فرغوا من إعداد العدّة أرسل الملك ثلاثمائة خلعة مختلفة المستوى من الأعلى والأوسط والأدنى وثلاثمائة ألف درهم مع خيول مطهّمة إلى أمير المجلس لكي يتولّى توزيعها على الأمراء والخدم والحشم.
ثم إنّهم نقلوا الأموال وخزائن الجهاز مع الهودج المعظّم من المدينة ليلا.
وفي الفجر دقوا طبول الرّحيل وانصرفوا. فلما وصلوا إلى منطقة «أرمكسو» تقدّم أمير المجلس ومثل بين يدي السلطان، وعرض الأحوال فأمر السلطان بأن تزيّن المدينة، فزيّنوا بيوتات قصر السلطنة بأنواع الزّينة، وأعدّوا عدّة الاحتفالات والمسّرات، وخرج من حضر من زوجات الأمراء لاستقبال الهودج.
ولما/ مضى جزء من الليل دخل سائر النّسوة من الطرّفين المدينة في خدمة الهودج العالي، ودخلوا مخدع السلطان وأجلسوا الملكة على منصّة الكرامة
[ ٨٦ ]
والسّعادة. وتوجه السلطان بتؤدة إلى مخدع العروس، فدخلت الخواتين- وقد توّردت منهن الوجوه واحتجبن بالحجرات، ووضع شمس السلاطين مع قمر الخواتين القدم على العرش، وركعت وصيفات الملكة ركعة الأدب فخلعن الحذاء من قدم السلطان، ووقعن فجأة على كنز ثمين في ذلك الحذاء. وخلع السلطان قلنسوته، وفكّ الحزام الملكي، وبحكم رخصة الشريعة فضّ الختم اللطيف عن تلك الصّحيفة الشّريفة.
وفي اليوم التالي، سار متبخترا صوب الدّيوان بعد الاستحمام وشغل طيلة أسبوع بشرب المدام وإكرام الأمراء الكرام. ثم أرسل خمسمائة خلعة وسبعمائة ألف سكة ومائة من الخيول ومائة من البغال المطهّمة، ومائتين من الخيول والبغال المزيّنة مع أطقم الملابس المنوعة في صحبة أمير المجلس إلى القاضي شرف الدين، فقام بدوره بتوزيعها على الأمراء كلّ بقدر مرتبته. ثم مثلوا جميعا أمام السلطان وقد لبسوا الخلع، وقبّلوا اليد؛ وحينذاك حصلوا على الإذن بالانصراف.
***
[ ٨٧ ]