حين تبّدلت حلّة شباب السّلطان السّعيد قليج ارسلان الأرجوانية برداء المشيب القشيب، ووصل مركب الحياة الكاملة البهيج، وحلّ وقت الوداع وتفرّق الاجتماع، استدعى [السّلطان] غياث الدّين كيخسرو، وكان أصغر الأولاد، وقد اختصّ من بين إخوته الأحد عشر بشرف ملازمة أبيه، وقال له:
يا بنىّ، اعلم أنّه قد دنا ارتحالي من هذا الفناء، وها أنذا أتأهّب للتزوّد بزاد طريق المعاد. وأنت بحمد الله بشرى الثّمار في حديقة الملك، ونوّار روضة الألطاف الإلهيّة. ما أسعد العرش بأن يجلس عليه مثلك؛ وليس لنا أن نؤثر أحدا عليك.
_________________
(١) في الأصل، بحسب، والمعنى بها لا يستقيم.
[ ٢ ]
وأنا ما اخترتك على الإخوان إلا لما رأيته فيك من لياقة للملك؛ إنني أنصبك على رأس الخلق، وما الخلق إلا ودائع الحقّ، وأنا إنما أعهد بالملك إليك وبالرّوح لرضوان (^١). «يا بنيّ لا تشرك بالله إن الشّرك لظلم عظيم يا بنيّ أقم الصّلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور، ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحبّ كلّ مختال فخور» (^٢).
يا بنيّ، إنما يسأل الملوك عن العدل: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلّكم تذكّرون» (^٣) الدنيا فرّارة ما قرت لأحد أبدا، إنما هي كسجم السحاب ليس له من دوام، وبكاؤها كابتسام البرق لا يصدر عن رضا وارتياح، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإذا أتى بسيّئة/ جعلها سنّة.
فلمّا وعظه بتلك الوصايا البليغة، أمر فاجتمع أركان الحضرة وأعيان السّلطنة. ولما رأى صفّة الديوان غاصّة بالخاصّ والعامّ قال: قد بلغت شمس إقبالي درجة الزّوال، ومعلوم أنّ الملك لا يبقى بلا مالك، كما لا تبقى المدينة بغير مدبّر، شعر:
- يمضي واحد ويحلّ محلّه آخر … لا يدع الله الدنيا بغير حاكم.
_________________
(١) خازن الجنّة.
(٢) سورة لقمان: ١٣: ١٨.
(٣) سورة النحل: ٩.
[ ٣ ]
وإنّ ابني كيخسرو ذا الوجه الّذي يشبه وجه «منوتشهر» (^١) إنما يتحلّى بالآداب السّلطانية، وهو في حلبة هذا المضمار يتمتّع بالسّبق والبروز على إخوانه، وعلى ملوك سائر الديار. ولقد منحته ولاية العهد، وفتحت أمامه باب هذه الدّولة، وأجريت حكمه في الولاية والرعيّة طالما كنت على قيد الحياة، وجعلته وارثا للتاج والخاتم، ونحّيت نفسي جانبا. إنّما عليكم أن تبايعوه، وأن يتبين منكم رسوخ القدم- كالصّخرة الصّماء- على محبّته والولاء له.
فما لبث أعيان الدولة- بعد البكاء والعويل والسّكوت الطّويل- أن رأوا أن الانقياد لأوامر السّلطان من أوجب الواجبات، وقالوا: السلطان غياث الدين بطلنا، وهو عندنا في الظاهر والباطن والغيبة والحضور سواء، نسلك طريق الغلظة والحدّة- كالسّيف والسّنان- مع خصوم دولته. وأضافوا إلى تلك المواثيق من الحلف والأيمان ما لا يمكن لتأويل أن ينقضه عند أهل الإيمان.
وبعد الحلف على درء المخالفة ونصب راية الموافقة، وإحكام أحكام النّصرة والمعاضدة، أقروّه على السلطنة [شعر]:
- جلس السلطان مبارك القدم بيمن القدوم … فوق عرش السّلطنة في بسيط خطّة الرّوم.
ووقف قادة الأطراف بجوار العرش يمينا ويسارا، وجعل ما لا حصر له من الدّرهم والدينار نثارا، ووصلت الخلع والتّشريفات الثمينة من خزانة السلطنة/ إلى طبقات الأمراء والكبراء، فازداد بذلك النّوال ميل الكافّة، وقضوا في السّرور والطّرب أياما عشرة، ولم يدعوا في شرعة اللهو والطّرب من بقيّة إلا جرعة السّاقي.
_________________
(١) منوتشهر، من ملوك الفرس القدماء، وقد وصف ببهاء الطلعة.
[ ٤ ]
ثم ما لبث أن التفت إلى عمارة البلاد والأمصار، ونقلت الأخبار إلى أطراف المملكة. وكانت هذه الحكاية في سنة ثمان وثمانين وخمسماية.