حين ظلت فرش الكرامة مبسوطة زمنا على هذا النّمط في إيوان سلطنة عزّ الدين كيكاوس، وغدت المهمّات والمصالح مضبوطة، جال بذهن السلطان: ما دام أخي في أنكورية متحصّنا بذلك المكان المنيع للغاية، فلن ننعم بالأمن الشّامل والفراغ الأصلي، ومن ثم ينبغى أن نعدّ اقتلاع جذور هذه الفتنة من أوجب/ الواجبات.
ثم أصدر الأوامر إلى الأمراء وقادة الأطراف كي يشخصوا بجمع حاشد إلى العبوديّة، وفي أيّام قلائل حضر العساكر كافة إلى ضواحى قونية المحروسة. وما إن حصل للسلطان الفراغ من ترتيب أسباب المحاصرة ومعدّات القتال حتى توجّهوا إلى حدود أنكورية بالطّالع المسعود.
وحين بلغ ذلك الملك علاء الدين شغل بتقوية القلعة كما عني بأمر الجيش وتجديد عهد الولاء والوفاء مع أهالي المدينة. فلما بلغ السلطان أنكورية اصطفّ الجيش صفّا صفّا، بهيبة تزيغ لها عيون أولي الأبصار، فأحكموا الحصار على المدينة.
وخرج الأمير «مبارز الدين عيسى الجاندار» (^١) وإخوته من المدينة فوقفوا في الميدان، وبسبب خصومة حدثت في المكتب لمبارز الدين في «سيواس» مع «نجم الدين بهرامشاه الجاندار» ظل كلاهما يسلك مع الآخر طريق المعاكسة والعداء؛ فصاح مبارز الدين بأعلى صوته داعيا نجم الدين للمبارزة، فطلب نجم الدين
_________________
(١) «إمرة جاندار: وموضوعها أن صاحبها يستأذن على دخول الأمراء للخدمة ويدخل أمامهم إلى الديوان … إلخ» (صبح الأعشى ٤: ٢٠).
[ ٥٨ ]
بهرامشاه الإذن من حضرة السلطان عزّ الدين ودخل الميدان. فانخرط كلاهما على الفور في القتال بالحراب كأنّهما أسد وفهد، فزاد ما تكسّر من رماحهما عن تفاريق العصّي وشتيت الحصيّ، ولم يصب أي من الغريمين بخدش- ولو خطأ- من هذا الطّعان.
فما كان منهما إلا أن مدّا أيديهما إلى علوة السرج، وانتزع كل منهما دبّوسا، فعجزا عن ذلك أيضا، فلما لم يظهر القاهر من المقهور والغالب من المغلوب أرادا امتشاق السيوف من أغمادها ليفصلا في الدعوى بحدّ الحسام، فهو البرهان القاطع. فأمر الملك علاء الدين من داخل المدينة بأن ينادى على مبارز الدين، فلما بلغ نداء النقّباء سمعه رجع، كما ذهب بهرامشاه إلى حضرة السلطان، فأعرب السلطان عن إعجابه/ بثبات قدمه، وخلع عليه.
وظلّت الاشتباكات قائمة على هذا النّمط بين الطّرفين كل يوم من أوائل الربيع حتى أوائل ربيع السنة التالية، ووضع السلطان مقابل المدينة أساس مدرسة على أمل أن يوقف عليها أوقافا ويغدق على فقهائها إن تيسر له الظّفر، وإن ظل الأمر على ما هو عليه أمر بإقامة مبنى المدرسة. فلما استخلص أنكورية وفى بالعهد والنذر وأوقف عليها. ولمّا وصلت النوبة لعلاء الدين أصدر أمرا بهدم القبّة وإبطال الأوقاف، لكن أطلال تلك المدرسة لاتزال باقية.
لنرجع إلى ما كنّا فيه. أقام كل أمير بيتا، وقضوا ذلك الشتاء. وحين وصلت راية ملك الكواكب السيّارة إلى نقطة الاعتدال الربيعي، وامتلأت ستائر الأبواب بريح الصّبا، وتجلّت عرائس الرّياض، تجاوز ضيق المحاصرين وقلّة المؤن والمحاصيل الحدّ، فأخذ سكان المدينة والمحاصرون بالقهر يتجرّعون السمّ من ساقي الدّهر، فشرعوا في قرع باب الصّلح برضا الملك علاء الدين.
[ ٥٩ ]
وأرسلوا رسولا إلى الأمير سيف الدين آينه طالبين الأمان، فجاء الأمير سيف الدين بالرّسول لتقبيل يد السلطان، ولما عرض الرّسول المشافهات والمراسلات واستغاثة أهل المدينة وما كانوا قد قدّموه من شفاعة بشأن الملك علاء الدين، بدت أسارير السّرور في الجبين المبارك للسلطان، واستدعى الأمراء الكبار مثل ملك الأمراء حسام أمير چوبان وملك الأمراء سيف الدين أمير قزل- وكانا من كبار أعوان المملكة- فأقسم السلطان في حضورهم بأغلظ الأيمان بألا يلحق بالملك/ علاء الدين أي ضرر- بأى وجه كان- من قبله، أو من قبل رعايا دولته، وأن يصرف- خالي البال- لبعض القلاع التي للسلطان ثقة بها، وألا يبخلوا عليه بالعدّة الضرورية من ملبوس ومفروش ومطعوم وزوجة، وألا يأخذ السلطان أهل المدينة بالمقاومة التي أبدوها. وتمّ توقيع العهود بعد ذكر الحلف باليمين المبارك للسلطان، وسلّمت للرّسول.
وحين وصل الرّسول إلى المدينة، وأذاع الأمر، طلب أهل المدينة أعلام السلطان، ودعوا إليهم بالأمير سيف الدين آينه، فدخل الأمير سيف الدين المدينة- بأمر حضرة السلطان- بصحبة جند لابسين ملابس القتال ومعهم أعلام سلطان الدّهر وراياته، ورفع العلم بكل إجلال على قلّة القلعة، واستمال أهالي المدينة صغيرا كان أو كبيرا. ونقلوا الملك علاء الدين من قصر السلطنة إلى بيت بعض المجنّسين، واختاروا الموكّلين.
وبعد ذلك صحب الأمير سيف الدين الأعيان والكبار إلى البلاط، فنالوا شرف تقبيل اليد، واعتذروا بلسان الاستغفار، ثم دخلوا المدينة مع الأمير سيف الدين، وأعدّوا الأموال والأمتعة التى سيجعلونها نثارا على موكب السلطان [عند دخوله المدينة].
[ ٦٠ ]
ثم دخل السلطان المدينة بالفأل السعيد، وجلس على العرش، وأسعد (^١) طبقات الناس بأنواع الاصطناع. ثم عهدوا بالملك علاء الدين إلى سيف الدين آينه، فأخذه إلى ملطيّة المحروسة، وحبسه بقلعة «منشار» (^٢)، ورتّب الرّواتب ووظائف بيت الثيّاب والمطبخ والشرابخانه، وأخذ من الأمراء والقادة حجّة بأنه قد سلّم الملك إليهم بسلام، ثم عاد. ورجع السلطان إلى العاصمة.
…
_________________
(١) قارن أ. ع ص ١٣٩.
(٢) يشير «ابن واصل» فى كتابه «مفرج الكروب» - فى أحداث سنة ٦١٠ - (٣: ٢١٩) إلى ظفر السلطان عزّ الدين كيكاوس بأخيه علاء الدين كيقباد، ويضيف أن عز الدين همّ بقتل أخيه لولا شفاعة بعض الناس فيه، فعفا عنه وتركه محبوسا. ويعقب «ابن واصل» على هذه الواقعة بقوله: «وهذه رذيلة كانت فى البيت السلجوقى .. فإن البيت السلجوقي كان إذا ظفر واحد منهم بأخيه أو ابن عمه أعدمه، وأحسن أحواله أن يعتقله حتى يموت».
[ ٦١ ]