كان السلطان يجلس ذات يوم على العرش كعادته المعهودة وينفذ أحكام العدل، فدخل جماعة من التجّار إلى المحكمة وقد مزّقت ثيابهم، وأهالوا التراب على رؤوسهم فقالوا: أيها الملك، يا من علا نجمك، نحن جماعة من التجار عرّضنا أنفسنا للخطر طلبا لعيش العيال من وجه حلال، وقد تحمّلنا مشاقّ الأسفار، وبسبب ذلك الكسب يظل أطفالنا أصابعهم على شفاههم، وآذانهم تسترق السمع إلى قرع الباب، وعيونهم معلّقة بالطريق فلعل أبا يرى وجه ابن له أو لعل رسالة تصل من أخ لأخيه. لقد انطلقنا من ديار مصر صوب الإسكندرية، وقدمنا من هناك بإحدى السفن إلى ثغر أنطالية. فأذاقنا حكام الفرنجة العذاب وأخذوا ما كان معنا من ناطق وصامت، ما قلّ منه أو كثر بالظلم والعدوان، وسخروا منّا فقالوا: ها هوذا السلطان العادل الغازي قد جلس في قونية وبسط بساط العدل فاحملوا إليه مظلمتكم لكي يحشد الجند، فيفعل ما يشفى صدروكم (^١).
فأخذت السلطان رقّة لذلّتهم وافتقارهم وتأجّجت نار الحميّة فيه، فأقسم
_________________
(١) كذا في أ. ع ص ٩٦ (صدور شما)، وفي الأصل (صدور ما)، والمعنى به لا يستقيم.
[ ٣٩ ]
بمالك الملك قائلا: لن أجلس من وقوف حتى أحصل لكم على أموالكم. فلقد ذقت مرارة الغربة، ورأيت نكاية الظالمين [شعر]:
- أنا أعلم بما بكم أيها المساكين، … فما كانت قلنسوتي إلا من هذا النسيج.
ثم أصدر الأوامر لأطراف الممالك لدعوة الجند، فتجمّع جند كثيرون في أقل مدة، فولّى وجهه نحو ديار الكفار بجيش جرّار مؤيدا بفضل الخالق. وبعد أن طوى بضعة مراحل معدودة، وصل/ إلى تلك الحدود، فأحاط بدائرة أنطالية من كل صوب جنود لديهم من القدرة والشجاعة ما يمكّنهم من الدخول إلى فم الأسد عند اقتحام المهالك وكأنّهم دائرة السّوء، ونصبوا المجانيق، وظلّوا شهرين متتاليين يقارعون ويحاصرون من الفجر حتى العشاء.
ولأن رجال السور لم يتسرب إليهم أي نوع من الفتور، أمر السلطان بالبدء في الرمي بالسهم والقوس عوضا عن الرّمح والسّيف، وأن لا يجعلوا فرنجيا يأمن أن يتمكن من أن يلقي نظرة على مغاوير القتال من شرفات القلعة، وأن يباشر الأبطال المجرّبون الحرب، وأن ينصبوا السّلالم على القلعة، ويتبين منهم عيار الرجولة على محكّ الامتحان.
وحين بلغ هذا الأمر مسامع كتائب الجند ثاروا دفعة واحدة كأنهم الجراد والنّمل، وفي أقل من ساعة واحدة نصب على كل بدن من السلالم ما كان قرينا لأوج الفلك من فرط الطّول. وكان أول من وضع قدم الصدق وحقّق الظفر رجلا يدعى حسام الدين يولق ارسلان من جند قونية القدماء، فقد قفز بسفيه ومغفره ورداء القتال الذي يرتديه على قلعة من الحجارة كأنه النّمر،
[ ٤٠ ]
وألقى بنفسه بين الفرنج، فبعث عدة أفراد منهم إلى سقر، وترك الباقون القرار وأخذوا طريق الفرار. ولم يلبث مغاوير الجند أن صعدوا إلى القلعة من كل ناحية مع سيوف من الحديد كأنها الريح التي تقطع صدر الجبل، ونصبوا علم السلطان على شرفات القلعة، ثم نزلوا من بعد ذلك إلى المدينة، وباندفاع كاسح كسروا الأقفال بضرب الرمح والعمود وفتحوا الباب.
ودخل باقي العساكر المدينة كالعقبان الكواسر. ولأن الفرنجة كانوا وقت الحصار قد أطالوا ألسنتهم بما لا يليق، أمر السلطان بالقتل العام ثلاثة أيام، وأن يبقى بساط أحمر مفروشا مدة طويلة (^١) على بحر أخضر بدماء الكفّار، وأن تتهيأ للطّيور والأسماك/ وليمة لائقة من أشلاء أولئك الجفاة وجيفهم، ثم أمر بعد ذلك أن يجعلوا السيوف من الرقاب في القراب، وأن يخاطبوا أولئك المذعورين- وهم بقايا السيوف- بالسّبي والنّهب، فظلت أمواج النّهب وبحار الغارات في تلاطم وتصادم خمسة أيام أخرى، وفي اليوم السادس منح السلطان إمارة أنطالية لمبارز الدين أرتقش- وكان من خاصّة غلمان السلطان، وكان ملازما للركاب السلطاني في أيام الغربة، وقد حدثت هذه الحكاية والفتح في شعبان سنة ثلاث وستمائة.
ثم أمر بأن يدخل مع حشمه المدينة ويعطى الأمان. وأقام السلطان هناك مدّة حتى تم ترميم الثّغرات التي كانت قد حدثت في القلعة وقت المحاصرة، ثم نصب قاضيا وخطيبا وإماما ومؤذنا ومنبرا ومحرابا، وبعد الاحتياط التام لوى العنان
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٩٨.
[ ٤١ ]
صوب العاصمة قونية.
وحين ابتعد مرحلة في الطريق عن السّواحل أمر نوّاب إيوان السلطنة بالإقامة في منطقة دودان وتحصيل أخماس الخاصّ (السلطاني)، ودعا إليه التجار الذين كانوا قد تظلموا وظلّوا ملازمين في المعركة وكان مركبهم من الإصطبل الخاصّ ومأكلهم من المطبخ الخاصّ، وطلب قائمة بالأموال (والمتاع والقماش) (^١) لكي يأخذوا منها ما هو موجود في غنائم الجند (^٢)، وكتب أمرا إلى الأمير مبارز الدين أن يطلب الباقي هناك ويتم تحصيل ما يبقى مفقودا من مال (السلطان) الخاص. إذ كان رفع مظلمتهم هو سبب ذلك الفتح، وما صارت الكسرة على العدو إلا لجبر حالهم. والتحق السلطان- وقد تحقق له ما أراد- بقونية.
هكذا ينبغي على العظماء أن يفعلوا ما فعل.