حين قفل السلطان راجعا بالسّعادة والحبور من فتح «سينوب»، وصلت جيوش الشتاء، فتّمرغت الشمس في تراب المذلّة كأنها رزق أرباب الفضيلة، ولبست الجوشن- كعادة القمر- من خوف سنان الزّمهرير تحت درع ثبت الغدر (^١). فجلس السلطان كأنه كسرى الإقليم الرابع على فراش وثير محاط بالوسائد من جهات أربع، ووضع مثلّث البخور على مدخنة السّرور، وأمضى الشّتاء كله على هذا النّمط برطل يستوعب عشرة أمنان (^٢)، وبحسناء من أرض الختن (^٣). فلما حملت شمس المشرق عدّة العمل وارتحلت من قصر المشتري صوب شرفة برج الحمل، عزم السلطان على التوجّه إلى قيصرية المحروسة. وأخذ يأمر خواصّ الأمراء والمقرّبين للبلاط الأعلى بتمهيد قواعد العدل طيلة أيام الحياة.
ومضى أمر القضاء صادرا بأن يسير أمراء الأطراف بجميع العساكر إلى منطقة الرّعي في «بنلو» ولحق الأمراء الكبار بالبلاط، ووفقا للأمر تجمّع كافّة القادة وعامّة الأبطال بعدّتهم الكاملة في مراعي بنلو، وسارع أمراء الخلوة بأصناف الهدايا إلى حضرة السلطنة.
وفي تلك الأثناء عاد محصّلو خراج «سيس» وقد جأروا بالشكوى من ليفون تكور. فنبضت عروق الحميّة والنّخوة في السلطان عند سماعه لهذه النّبوة، واستدعى الأمراء الغائبين، وعرض القضية، فقالوا جميعا بلسان واحد إنّ عرك
_________________
(١) درع ثبت الغدر: أي يثبت في القتال (انظر المعجم الوسيط)، وفي الأصل: زره غدير: درع الغدير.
(٢) المن: معيار قديم كان يكال به أو يوزن … إلخ (المعجم الوسيط).
(٣) الختن: الاسم القديم لتركستان الشرقية.
[ ٧٣ ]
أذن عديم الأدب هذا من أوجب المهام، ولكن يتعذّر التدخّل في هذا الموسم في ولايته لفرط الحرارة/ فإن أذن السلطان اتّخذ الجيش المنصور من ريف «بنلو» ورياضها مغنى إلى أن يحين الخريف، وتسمن الدواب، حتى إذا همدت سورة الهاجرة في كل مكان تمّ التحرّك بيمن التأييد الربّاني وجلال الدّولة السلطانية بأكبر ما يمكن من حشود، فيتم تأديبه الذي يعدّ من الضرورات.
فقرن السلطان ذلك الرأي بالرّضا. وحين حلّ أول الخريف: (شعر):
- نثرت الرياح المسك والقرنفل بدل التراب، … ظهر اللؤلؤ والزبرجد بدل فاكهة الغصون.
تحرّكت العساكر المنصورة، وسارعت- كمسارعة الوثني صوب الصّنم- إلى البلاط الأعلى، وجاءت المظلّة الملكية من طريق وادي «كوشي» إلى «كوكري»، فكان المعسكر هناك.
وحين وصل الخبر إلى تكور بأنّ السلطان قد عزم على التوجّه إلى ولاية «سيس»، اضطرب اضطراب الزئبق، وشرب الغصص على تقصيره في الخدمة، ورأى نفسه بسبب تلك الحادثة متورّطا في مهلكة الضلال ومتخبّطا في مسبعة الآجال، ولم يجد مجالا للمشورة في مضيق تلك الدّاهية، فاضطرّ إلى جمع جيش من كل ناحية، واتّجه للحرب «كالباحث عن حتفه بظلفه».
***
[ ٧٤ ]