حين قصد الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير وكمنينوس بلاد أرمينيا وفقا للأمر الأعلى، رأوا طريقا صخريّا وعرا ضيّقا، وبعد المنطقة الصخريّة غابة، وفي كلّ مكان قلاع وبقاع وأماكن ومساكن، فتشاوروا، ثم أجمعوا على ألا يجتازوا قلعة إلّا إذا فرغوا منها. فوصلوا أولا إلى «جنجين»، وكانت قلعة حصينة ومعقلا مكينا ضخما. فأمر «چاشني گير» بأن يصعد الجند الجبل فوجا فوجا، وأن يثبّتوا الأعلام ويدقّوا أوتاد خيام كأنّها الجبال الرّواسي على قلالها، ويضربوا طوقا (^١) حول القلعة ذائعة الصيت.
وفي اليوم التالي حبسوا الأنفاس عن أهل القلعة، الذين كتبوا رسالة- لما لحقهم من عجز ومذلّة- إلى ليفون [تكور] (^٢) أفصحوا فيها عن ما هم فيه من عجز وانعدام حيلة، فاستعان ليفون بالفرنجة وكتب رسائل استغاثة، فتجمّعت منهم جماعة، حميّة وعصبيّة/، ولحقوا بليفون.
استقرّ جيش المليك على الجبل بينما نزلت جنود الخصوم في الصّحراء.
فلمّا حلّ اللّيل، وأقاموا الحفل، قال الأمير مبارز الدين في أثناء المعاقرة: إن هذا الجيش الذي قد جمعه ليفون من كلّ مكان ليس له في نظرنا وزن بوجه من الوجوه، وفي الغد عند انتصاف النّهار حين تتوسط الشمس ميدان السماء نحيط مع جملة الشّجعان بالكفّار، ونبذل ما في الوسع، والمأمول أن يتحقق وعد الحقّ [تعالى] بنصرة أعوان الدين.
_________________
(١) كرداكرد: حول (أ. ع ص ٣٣٧) وفي الأصل: كرداركرد، وهو تصحيف.
(٢) زيادة من أ. ع، أيضا.
[ ١٧٠ ]
[وعند السّحر، ومع طلوع طاووس الخميلة الموشّاة بالزّخارف، أقبل الصبح بضحكة طير الحجل البري، فمضى الجيش يرغي ويزبد كالأسد الهصور وارتفعت في الجوّ من ألوان الأعلام روضة ورد أخرى. وشرعت الرّدينيات (^١) في العمل، وحين شمّروا الأردان (^٢) عن الأبدان، أخذت السّمهريات (^٣) بالأبصار كأنها اليقظة والسّهر، وحل السّهم من صميم القلوب محل الفكر والتذمّر، وأصبح السّيف البتّار محمول الأعناق بدل الرؤوس، وسلب جيش الإله بعظمة المليك لباس الوجود من قلب العدو بحملة واحدة] (^٤)، فانطلق الصّراخ من أعماق الكفّار وقامت القيامة.
ثم إنهم شنّوا حملة واحدة على عساكر السلطان، فأمر القائد بأن يحكم الفرسان كافّة الإمساك بالعنان، فأحكم الجند الصّفوف إحكام جبل «ثهلان» وفقا لأمر البطل، حتى أخمدت ريح الفشل جيش ليفون. وعندئذ انطلقوا جميعا كالشّهب الرّاصدة للعفاريت وراء ذلك القبيل من عبدة الطّواغيت، فضاقت بهم الصّحراء على اتّساعها بسبب ضربات السّهام، وأخذ الفرسان يتعقّبونهم بخيولهم، فما من أحد وجدوه منهم إلّا أطاحوا به.
وفرّ ليفون إلى الجبل مع عدد من أولئك/ الظّلمة مطأطئا رأسه كالمتظلّمة.
أما جيش السلطان فقد عاد بفضل الباري من المعركة بالكثير من الغنائم والعديد
_________________
(١) ردينيات، كذا في الأصل، كلمة عربية، جمع رديني وهو الرمح المنسوب إلى ردينة وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح.
(٢) جمع ردن، وهو أصل الكم.
(٣) جمع سمهري وهو الرمح الصّلب العود، ويقال إنه منسوب إلى سمهر وهو رجل كان يقوّم الرماح.
(٤) إضافة من صاحب المختصر لا وجود لها في الأوامر العلائية، انظر أ. ع، ص ٣٣٨
[ ١٧١ ]
من أسرى الفرنج وكفّار تلك الدّيار، ووقف بحذاء القلعة. فلما شاهد أهلها تلك المحنة من عل استبدت بهم الحيرة وركبهم الاضطراب.
وأمر الأمير مبارز الدين بإقامة الحفل، فتغنّى المطربون بمقدّمة رائعة في زوال نوبة دولة الكفار، وشنّفوا الأسماع بشجاعة أبطال الحرب بأحلى نغم وأصدق قول.
وفي الصّباح نزل أحد القساوسة من القلعة وقد تخضّبت عيناه بالدماء، وقبّل الأرض أمام قائد جيش السلطان وقال: قد بقينا جميعا عاجزين عن العمل، ونثرنا نقد العمر في ريح الخيبة من تعب الحصار، لقد سعيت ورأسي بين كفّيّ إلى القائد، لأنظر ما هو صانع.
فقال الأمير مبارز الدين: لا ذنب لكم في الأمر، وإن كنتم تبغون صلاح أمركم فيتعيّن عليكم أن تتركوا السلاح وذخائر القلعة حيث هي، وتحملوا كل أمتعتكم الشّخصية وترتحلوا إلى حيث تريدون، ولتكونوا آمنين من ناحية الجيش.
فطلب القسّيس الحجّة على ذلك، فكتب في الحال كتاب الأمان. فأخلوا الحصن، ونصبت راية السلطنة على شرفات القلعة بالظّفر والبهاء.
وكتبت في الحال رسالة مشتملة على كسر الأعداء وخفض عيش سائر الجند، ورفع لواء السعادة، وضمّ تلك القلعة إلى سائر الممالك. وذكر الأمير فيها أنّ المعاقل والحصون في هذه المناطق كثيرة، والأمل أن يتيسر فتحها جملة،/ لكن لا بدّ من إرسال المعدّات والأسلحة.
وما إن انطلق الرسول، حتى وصل مبعوثو ليفون فجأة، وعبّروا عن الذلّ بألف ضراعة قائلين: إن كان السلطان يعاقب على قدر الجرم، فحسب هذا
[ ١٧٢ ]
المملوك المقترف للذّنب ما ناله من تنغيص وتوبيخ في هذا التاريخ. إنني ألتزم بأن أرسل كلّ سنة قصيرة عن طويلة ألف فارس وخمسمائة قوّاس، وأشرّف السّكة بألقاب السلطان الموفّق، وأضاعف الخراج.
فبعث ملك الأمراء رسولا بالرسالة إلى حضرة السلطنة. وقد بلغ ما فتحه من القلاع الأخرى بتلك الولاية حتى عودة الرسولين ثلاثين قلعة نصب على كلّ منها محافظا. ثم إنه أرسل رسالة أخرى إلى السلطان بأن الولايات قد اتّصل بعضها ببعض، ولم يبق فيها من حصن غريب.
وضرب السلطان صفحا عن جرائم ليفون، وأرسل عهدا، كما أنفذ أمرا مشتملا على إزجاء الشكر لمحامد ملك الأمراء وكمنينوس ومساعيهما. وأمر بأن يتمّ استيفاء أموال التجار بأسرها من الوجوه التي تيسّرت بفتح القلاع، وأن يتمّ تسليم القلاع والولاية للأمير قمر الدين، ويسمح للجند بالعودة إلى الأوطان، ويشخص ملك الأمراء وكمنينوس بمفردهما إلى الحضرة السلطانية لإبلاغ ما حدث مشافهة، وينالا أتمّ حظوة باللقاء الميمون للسّلطان.
***
[ ١٧٣ ]