في سنة ست وتسعين وخمسمائة، عند صلاة العشاء، وقد ظهرت الكواكب الدرارى في/ الدّغل اللازوردى للقبة الزرقاء كأنّها الزهور النّديّة، غادر السلطان المدينة في كوكبة من الخواصّ وسلك طريق آقشهر قاصدا «ستنبول».
ولفرط الاستعجال واضطراب الحال عرض للملك عز الدين كيكاوس والملك علاء الدين كيقباد ما أدى إلى غيابهما عند ذاك عن خدمة أبيهما، ولم ينتبه لهما السلطان، وانطلق مسرعا من المدينة.
فلما وصل إلى قرية لاديق من أعمال قونية استخفّ رعاياها بغلمانه وخواصّه، وجرحوا بعضهم، وعرّضوا الأمتعة للتّلف، فحزن السلطان لذلك وسلك طريق «لا رنده» وكتب- متعجلا- رسالة تتضمن العتاب إلى أخيه، وشكا مما لحق بعرق السلطنة النجيب من إهانة وإذلال.
وحين دخل ركن الدين المدينة في اليوم التالي، وجلس على العرش، سلّم
_________________
(١) الترجمة الحرفية: سكّن روع الرّوع، وجيشان الجأش، والرّوع: القلب، والجأش: النفس.
[ ٨ ]
الرسل الرسالة، فهاج وماج من فرط الغضب، غير أنه كظم غيظه كسبا للوقت، وصاح في الرسل قائلا: مثل هذا يجب أن يحلّ بمخالفي الدولة، والمخلّفين من أنصارها (^١). ثم أومأ خفية إلى بعض أفراد حاشيته بأن يعملوا على تهدئة خواطرهم (^٢). وأمر بأن ينادى في الناس بأن كل من أغار على أخي السلطان وألحق الأذى والضرر بمن معه، عليه أن يتقدّم ويعدّ ذلك سببا للتقرّب والزّلفى.
فاغترّ أولئك المجاهيل بهذه المغريات، وبادر كل منهم يستبق غيره حتى تجمّعوا بأجمعهم في الديوان وقد أحضر كل منهم بصحبته كل ما كان قد استلبه، وهو يقصد بذلك أن يروّج سوقه. فأسلم السلطان كل فوج إلى جماعة، واستدعى الملكين (^٣) وأجلسهما على العرش فوق ركبتيه، وأبدى عطفه وحدبه عليهما، وخيّرهما بين الإقامة والارتحال، فاختارا السفر واللحاق بأبيهما، وتحدّرت رغما عنهما/ العبرات مدرارا على وجنتيهما كحّبات الرمّان. فأخذت السلطان رقّة لهما، وسيّرهما مع أهلهما بمودّة صادقة وقد زوّدهما بالخلع النفيسة من الأحزمة المرصّعة وما يوافقها ويجانسها.
ثم أمر بصلب الجناة العصاة من شرفات سور المدينة وسلب كسوة الحياة من أبدانهم المرتعشة، وإضرام النار في القرية، ولذلك ظل اسم «سوخته» (^٤) يطلق على «لاديق» إلى وقتنا هذا. وقال السلطان: هذا ما لابد أن يلحق بمن يستخفّ بالسلاجقة من جزاء وعقاب.
_________________
(١) الترجمة الحرفية: ومخلّفي تلك الشيعة.
(٢) يعني تهدئة خواطر الرّسل.
(٣) يعني عز الدين كيكاوس وعلاء الدين كيقباد. وكانا قد تخلفا عن مصاحبة أبيهما عند مغادرته قونية، كما مرّ.
(٤) ومعناها: المحترقة.
[ ٩ ]
ظل السلطان في مكانه لا يبرح إلى أن وصل ابناه، فلما وصلا عرضا ما لقياه من عطف عمّهما. وتقدّم رسل السلطان ركن الدين بأعذار واهية (^١)، فاستمع إليها السلطان غياث الدين بحسن الإصغاء، ثم أعادهم مكرّمين معزّزين من حيث أتوا، وشرع هو في دخول ممالك الأرمن التي كانت في ذلك الوقت ملكا لليفون تكفور.