قد نقل [إلينا] من أفواه الثّقاة أن «بابا اسحاق» الخارجي كان من منطقة «كفر سود»، من مضافات قلعة «سميساط»، وكان يدور برأسه منذ مبادئ الشباب ولوع بالرّواية واصطياد المريدين. وكان ماهرا في صنعة الشّعبذة والسّحر، وكان مشغولا دائما بدعوة الأتراك الجهلة الذين إن سمعوا- باليسير من التمويه- عن فقيه سفيه ومفتي مفتن، احتشدوا وأعلنوا الموافقة والقبول. وكان دائم البكاء، ظاهر الورع، هزيل الجسد.
فلما انقضت مدّة وأقبل عليه خلق كثيرون، وصاروا من مريديه والمعتقدين فيه، جال بفكره أنّه لو خرج بذلك العدد من الأتباع لن يكون لمصباح كذبه ضياء. فتوارى فجأة عن الأنظار. وبعد مدّة ذاع صيته في بعض قرى «أماسية»، وكان أول ما وصل إلى تلك القرية يرعى الغنم لأهلها، ويظهر الأمانة والورع، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان يقنع من القوت بالقليل كلّ يوم. وبلغ في تورعه منزلا جعل كل امرأة ورجل مقيّدين بقيد أنشوطة الاعتقاد فيه. وكان إذا أصاب أحدا ألم أو حزن، أو وقع نزاع بين امرأة وزوجها يكتب تعويذة إذا رجعوا إليه، ويعطيهم إيّاها، فيتحوّل ذلك كله في الحال إلى راحة واستقرار.
ولما كثر أتباعه وأشياعه خرج من القرية، وبنى صومعة على تلّ قريب منها، وشغل هناك بالإرادة (^١) والتنسّك، ولم يسمح لأحد بالدخول عليه اللهم إلّا لعدد قليل من المريدين. وكان يظهر أنه قد عزف كليّة عن الطّعام والشراب، واختار الصبر على الجوع والعطش، وأخذ يبعث بالمريدين إلى كلّ ناحية حيث
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٩٩.
[ ٢٧١ ]
يتجمّع الأتراك وغيرهم حتى إنه بعث إلى الخوارزميين الذين كانوا في بلاد الشّام.
وكان يقبّح حياة السلطان غياث الدين لشغله بالشّرب والمناهي، وبهذا الخداع (^١) أخذ يدعو الناس إليه. فلما استقرّت القلوب على محبّته ومودّته أطلق أحد مريديه إلى «كفر سود» كما أرسل مريدا آخر إلى «مرعش». وقال: مروا المخلصين لنا بأن يركبوا خيولهم في الشّهر الفلاني واليوم الفلاني ويتوجّهوا لفتح البلاد. وكلّ من سمع اسمنا وصار معينا لهم في قمع المفسدين اجعلوه شريكا في الغنائم والأموال، أمّا من أبدى معارضة فلا تهملوا- بغير محاباة- في قتله.
فذهب هذان المريدان بناء على إشارة ذلك المسنّ الضالّ إلى هاتين الولايتين، ونادوا في قبائل الأتراك وطوائفهم/، وكانوا قبل ذلك ببضع سنوات قد هيّأوا أسباب القتال، وجلسوا ينتظرون الأمر. فلما بلغهم هذا النداء اندفعوا كالنّمل والجراد، وخرجوا في يوم معيّن.
كانت أول قرية أضرموا النار فيها هي مسقط رأسهم، وقد انتشروا كالدّخان الأسود في نواحي العالم، وكانوا- وفقا لحكم ذلك اللعين- يعطون الأمان لكل من سلك طريق دعواهم، أما من كان يقابلهم بالاستنكار فكانوا يبادرون بالقضاء عليه دون تفكّر ولا تردّد.
وقد جمع «مظفّر الدين ابن عليشير» جماعة، وأغار عليهم، ونشب قتال عظيم بين الفريقين، فوقعت الهزيمة على مظفر الدين واستولوا على علمه
_________________
(١) فريب: خداع، وفي الأصل: قربت، وهو تصحيف.
[ ٢٧٢ ]
وطبلته، فتوجّه مظفر الدين إلى ملطية وأعدّ جيشا مرة أخرى، وجمع عددا كبيرا من الأكراد والكرميانية (^١). ودفع بهم لمحاربتهم، فوقعت الهزيمة عليه ثانية.
فلما تحقّق لهم النصر مرتين، تبجّحوا واجترأوا وأرسلوا من يغير على نواحي «سيواس»، فجمع أهل سيواس جمعا وانطلقوا لصدّهم، فهزموا جند سيواس أيضا، وقضوا على «أكديشباشي» سيواس وغيره من الأكابر، وحصلوا من تلك المعركة على الكثير من الأمتعة فظهر عليهم الرّونق وتمّت لهم النّعمة
ثم إنهم انطلقوا صوب «توقات» و«أماسية»، فمن كان يسعى لاعتراضهم عاد مخذولا، ففسد دماغ جهالتهم دفعة وشايعهم «التّركمان» من أهل الولايات كلّها، وما وصلوا إلى أماسية إلّا وكانت شعلة استعلائهم قد أخذت في الارتفاع.
وحين أبلغ السلطان، لجأ- على سبيل الاحتياط- إلى جزيرة «قباد آباد»، وأرسل «حاجي أرمغانشاه» - قائد جند أماسية- إلى تلك الحدود، فلمّا بلغ أماسية أخذ «بابا» في الحال مع/ من كان معه من المعتقدين من الصّومعة وشنقه ودلاه من البرج، وعزم بمن معه من الجند على قتال [من تجمع منهم حول «أماسية» حيث أخذوا ينتظرون قدوم البابا] (^٢)، فجرى بينهم الكثير من
_________________
(١) كرميان: كذا في الأصل، وهو نسبة إلى كريم الدين عليشير (ت ٦٦٣)، أبي مظفر الدين المذكور، وكان يطلق عليه «كرميان خان» وكان سلاجقة الروم قد عهدوا إليهم بحكم منطقة كوتاهية ونواحيها. وظلوا يتناوبون حكمها حتى عصر السلطان مراد الثاني العثماني سنة ٨٣٢ انظر: محمد جواد مشكور، مقدمه بر اخبار سلاجقه روم)، صد وشصت وپنج- شش.
(٢) إضافة من أ. ع، ٥٠٢.
[ ٢٧٣ ]
النّزاع والقتال، وفي النّهاية قتلوا «أرمغانشاه» فنال بذلك الشّهادة. وكثيرا ما قالوا لأولئك المدبرين إن من تقتدونه قد صلب، لكنّ ذلك لم يجد شيئا وإنّما كانوا يقولون «بابا» رسول الله، ويتهافتون في مقابل السّيف والسّنان «كالفراش في النّار والأوزّ في التيّار» (^١).
وأخذ السلطان يرسل من «قباد آباد» - بتتابع الرسل المسرعين- طالبا العساكر التي كانت قد ذهبت نحو «أرزن الرّوم» لحراسة الثغور، فجاء العساكر مسرعين، ووزّعت معّدات القتال على الجيش، وبلغوا «قيصرية» في يوم وليلة.
وكان أولئك المخاذيل قد اجتمعوا في صحراء «ماليه» من ولاية «قيرشهر»، وتقدّم «بهرامشاه» الجاندار، «وابن الكرجى» و«فردخلا» زعيم الفرنجة في المقدّمة، بينما تبعهم الأمراء الكبار بجيش كثيف. وفجأة جاء الخبر بأنّ الخوارج يستعدون للقاء القتال من الغداة. فأرسل لأمراء الطّلائع بأن لا يتعقّبوا الخوارج إن لم يظهروا، وألا يتحركوا بل عليهم بالتوقف.
وفي اليوم التّالي لبس الجند لأمة الحرب، وأخذوا ينتظرون بقيّة الجيش الجرّار. وفجأة برز الخوارج من أحد التّلال واتّجهوا صوب الجند وقد شرعوا سيوفهم وتركوا عنان خيولهم (^٢)، وكان الفرنجة في الصفّ الأول، فثبتوا ولم تؤثّر فيهم سيوف الخوارج أو سهامهم، فارتدّوا على أدبارهم ثم تمهلوا لحظة وعاودوا الهجوم،
وهنا بادرت أفواج جند السلطان بعلاج أدمغتهم الفاسدة بالرّمح الثقيل
_________________
(١) كذا، والعبارة مدونة في الأصل بالعربية.
(٢) قارن أ. ع، ٥٠٣.
[ ٢٧٤ ]
والخنجر القاطع، وبهجمة تصيد الأرواح أطاحوا بأربعة آلاف رجل من الخوارج، فلجأ بعض أولئك المدبرين إلى الأحمال والأطفال والعيال/، [فأقاموا ساترا من الأمتعة، كي يطلقوا من ورائه بالسهام] (^١)، وأخذوا بما معهم من أقواس شديدة يلصقون الرجل في الشّجرة بالسّهم، فأحاط بهم الجند من كل ناحية، ورفعوا الحجب والسّواتر من أمام أولئك الكفرة (^٢)، فشتّتوا شملهم وبدّدوا جمعهم ثم أعملوا فيهم السيوف إعمالا، وأجروا الدّماء أنهارا في الصّحراء من أتباع الشيطان أولئك ولم يبقوا على كبير أو يحابوا شابّا.
وحين وصل الجيش الكبير، كان أمراء الطّلائع قد فرغوا من الأمر برّمته، ولم يبقوا على أحد حيّا إلّا الأطفال ذوي السنتين أو الثلاث. وسيّروا في الحال الرّسل إلى حضرة السلطنة، وقسّموا نساء الخوارج وأطفالهم وأمتعتهم فيما بينهم بعد إفراز خمس الخاصّ، وعادت العساكر- وفقا للحكم- إلى الأوطان، بينما لحق الأمراء بحضرة السلطنة.
…
_________________
(١) العبارة ل أ. ع، ٥٠٣، وعبارة الأصل مضطربة للغاية.
(٢) قارن أ. ع، أيضا ٥٠٣.
[ ٢٧٥ ]