وفي اليوم التالي حين طلع ملك الكواكب، دخل السلطان كأنه الشمس تحت مظلة سوداء طالما كانت ملجأ وظهيرا للعالمين- دخل مدينة قونية- التي تعدّ ساعة واحدة من الحياة فيها خيرا من ألف شهر في غيرها من البلاد- بصحبة جيوش كأنها البحر الأخضر الموّاج، وحشم كرخات المطر المتواتر، فنقل القدم من ركاب حصانه- بعد أن توقف- إلى عرش آبائه الكرام، فبلغت أنواع الأفراح أرواح الخاص والعام، واتفقت أهواء الجند والعامّة على/ محبته والولاء له: [شعر].
- حين وضع تاجا كبيرا على رأسه …، سعد التاج به وهو أيضا سعد.
- عمّر ما كان خربا في كل مكان …، وحرّر (^١) قلوب المحزونين من الحزن.
وأبلغ مفروزم المنزلة العليا والمرتبة القصوى، وفوّض عز الدين كيكاوس في ملك ملطية المحروسة كما فوّض علاء الدين كيقباد في حكم مملكة دانشمند (^٢)
_________________
(١) في الأصل: شاد كرد: أسعد، والأوفق ما ورد في الأوامر العلائية ص. ٩: آزاد كرد: حرّر
(٢) دانشمند: نسبة إلى الملك دانشمند أحمد غازي شمس الدين، وتشمل تلك المملكة: سيواس، وآماسية، وتوقات، ونكيسار، وعثمانجق، والبستان وملطية، وغيرها. وكان دانشمند قد تولى حكم تلك البلاد من- قبل السلاجقة سنة ٤٥٥، واستمرّ أولاده ثم أحفاده في حكمها حتى سنة ٦٠٧. انظر: الدكتور محمد جواد مشكور: مقدّمه بر اخبار سلاجقه روم، ص صد وشصت ويك
[ ٣٤ ]
بأسرها. وأرسل إلى ملوك الأطراف وسلاطينها الرسائل والمبعوثين معلنا عن مواتاة السعادة ومساعدة الإقبال.
وكان الشيخ مجد الدين اسحاق قد انتقل- وقت جلاء السلطان- من بلاد الروم إلى ديار الشام. فدعاه السلطان بهذه الأبيات الرائقة: [شعر].
- صحة الذّات الطاهرة السماوية …، هي تاج أصحاب المجلس الأخوي.
- عزّ الأقران وحيد الآفاق …، صدر الإسلام مجد الدين اسحاق.
- العزيز الرفيق الأنيس …، إن هو إلا كروح الملاك.
- فليبق خالدا ليوم الحشر …، ولتتزايد حرمته ولتعل رتبته.
- لتنقطع عن كيانه أيدي الآفات …، ولتعم عن ذاته عيون الفتن.
- يا من له سيرة الولّي …، يا من له سنّة النّبي
، لو أقول ما جرى في هذه المدة، … - وما نلته من جور الفلك الحرون
، يصبح المداد دما على سنّ القلم. … -/ أرأيت مجمع الصدور الكرام
، كيف جعله الزمان حراما، … - اختطف الملك منا ظلما
، وأسنده لا مرئ عجول لا رويّة عنده. … - لقد امتلأ قلبى- كجمشيد (^١) - بغصّة
، وأصبحت في الدنيا مشرّدا،
_________________
(١) جمشيد: أحد ملوك الفرس القدماء.
[ ٣٥ ]
- تارة في الشام وتارة في الأرمن …، تارة أتخذ الأطلال موضعا
وتارة أتخذ الدّمن، … - تارة كالحوت في البحر
، وتارة كالنّمر بالصحراء، … - تارة أتخذ ستنبول مقاما
وتارة أتّخذ عسكرا (^١) …، تارة أتخذ المغرب مقاما
وتارة بلاد البربر، … - ما كان لي- زمنا- بفعل الدهر إلا:
السيف، وظهر الحصان، وحرب الفرنج. … - شاهدت المعارك
، أثرت الحروب …، سدّدت الطعان
، تلقيت الضربات. … - ما كان غذائي- أحيانا- سوى الندامة والغم
، إذ استبدّ بي الحزن في أثر الصحاب. … - انقطع الصحاب عني وأبعدوا كالصقور
، وتشتتوا في الدنيا مثلي. … - ثم حين أهلّ لطف الحق بجماله
، وفت دورة الفلك أيضا. … - كنت أرى رؤى حق،/
وأخذت أرى أثر ذلك في المنام. … - وحين عزمت على الرحيل إلى بلاد الألمان (^٢)
جاءني مبشّر في أمان،
_________________
(١) عسكر: إحدى مدن خوزستان.
(٢) في الأصل: الأمان، والتصحيح «آلمان» من أ. ع، ص ٩٢.
[ ٣٦ ]
- وأخبرني بموت الخصم وفترة الملك …، وقال: هيّا اسعد، فالملك بإزائك.
-[هذه] كتب أكابر الأطراف …، مشفوعة برسالة من خلاصة الأشراف،
- قال: ما نحن جميعا إلا دعاة لك …، انهض أيها المهدى، إنما نحن ساعون إليك.
- وأخذ هاتف يدعوني كل لحظة … - على سبيل الإلهام- قائلا: عجّل وحرّك الأقدام.
- فعدت إلى ساحل البحر، وما أشد ما … يثيره البحر من خوف هناك والشّتا.
- مجمل القول أني قطعت البحر …، لا أراك الله ما رأيت.
- قدمت صوب برغلو … وفق المراد، وجدت ملكا.
- قصد أحد المفسدين الانتقام …، أسرج حصان الظّلم والجفاء.
- ولأن الله كان معينا وحافظا وحاميا …، فقد تضاءل موضع الجرح الكبير واضمحلّ.
- وانتصر حظّنا في النهاية …، ودانت البلاد بأسرها،
-/ لزمت البلاد الطاعة لنا، ولكم …، إنما هو اسمنا في الدنيا وهو مرادكم.
- المحبوّن للخير ينصفوننا بفضلهم …، وصدرنا مجمع أصحابنا.
- هيا، فقد حان الوقت كي تنشد مكانا … هاهنا، إن كانت رأسك قد أثقلها
[ ٣٧ ]
السّكر فتعال إلينا.
وحين بلغت هذه اللّطائف قدوة الطّوائف سارع في القدوم وواصل السّير بالسّرى وقد زاد من أوراد الدعاء والثناء، فتحركت في السلطان أعطاف ألطافه حتى نهض استقبالا لقدومه الميمون، وبالغ في إعزاز جانبه. فأرسل الملك عز الدين لمرافقة الشيخ إلى ملطية المحروسة.
وسيّر علاء الدين كيقباد مع جماعة من القضاة إلى توقات (^١). وكانت قد صدرت عن السلطان بادرة عند دخول المدينة لم تلق قبولا عند أحد قطّ، وهي قتل القاضى الترمذي، وكانوا قد نصبوه بدلا للإمام أبي الليث السمرقندي.
وكان السبب في مقتله ما نسب إليه من أن ممانعة أهل المدينة في وقت الحصار إنما كانت بسبب فتوى أصدرها، وقالوا إنه يقول إنه لا يجوز أن تؤول السلطنة إلى غياث الدين لما كان قد بدا منه- في السابق- من ولاء للكفّار، وأنه ارتكب ما نهي عنه الشرع في ديارهم. [لذلك استبد الغضب بالسلطان، وأمر بإنزال العقاب به] (^٢)، ولشؤم إراقة دمه بغير حق لم يأكل سكان ضواحي
_________________
(١) أهمل الأصل هنا الإشارة إلى ما جاء في الأوامر العلائية من ذكر للتقاليد التي أرساها السلطان غياث الدين كيخسرو في حكم دولة سلاجقة الروم، وعلاقة السلطان والملوك بالقضاة، وحضورهم مجلس القضاء يومين محددين من كل أسبوع، والمسارعة بتنفيذ أحكام القضاء، الأوامر العلائية ٩٤ - ٩٥.
(٢) زيادة من أ. ع، ص ٩٤، ٩٥.
[ ٣٨ ]
قونية ونواحيها ثمرة واحدة من المزارع والبساتين طيلة ثلاث سنوات. وفي النهاية ندم (السلطان) على ما فعل، واسترضى أهل القاضي، وطلب منهم العفو والصفح.