لما كانت أعلام دولة السلطان تعلو مع الزّمان على شواهق الإقبال وقلال الجلال بيمن الملك المتعال وعناية أعتاب ذي الجلال، وكانت بركات السماء تحلّ في الزّروع والضّروع بفضل حسن إشفاقة ومكارم أخلاقه، حتى وإن كان ما بين الزّجاجة والكأس من مدام وخمر- دما ظهر بينها من التصافي ما لا مزيد عليه، وبلغ المطربون في مجلسه الملكي الذي تتزايد فيه البهجة غاية البراعة من تواتر مداعبة الأنغام على الآلات الموسيقيّة،
قال السلطان يوما لندمائه- وكانوا بمنزلة الوزراء والمستشارين- يتعيّن علينا أن ندع الحفلات وما بها من بهجة وطرب ونبادر إلى إعداد العدّة للحرب، فينبغي أن يجعل لقوانين السلطنة مثل هذا الحق. فركع الأمراء الكبار أمام العرش تأدّبا وقالوا إن ملك اليونان خاضع لمليك العالم؛ وإن ثغر أنطالية وإن كان قد تيسّر فتحه، لكنّ [همّا عظيما وخوفا لاحدّ له ينشأ] (^١) من جهة قلعة «كلونوروس» - التي تبدو السماء أمامها كالأرض الفسيحة المترامية، هي جبل بغير أمان، لها من البحر خندق ومن صخور الجرانيت حصار، قد تحكّمت من جانب البرّ على ملك «سيس»، بينما فرضت من جانب البحر خراجا ثقيلا على رقبة مصر/، وليس لمثل هذا الصّرح الهائل إلا المليك الذي هو ملجأ العالم. فلو صدر الأمر إلى الجيش المنصور، فالأمل أكيد في أن تصبح كلّ نملة تنّينا وكلّ صعوة عنقاء، وأن تدرج تلك القلعة- التي تبدو مساوية للسّماك مناطحة
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٢٣٧، وبدونها لا تكتمل الجملة ولا يستقيم المعنى.
[ ١٢٠ ]
للأفلاك- في أنشوطة مماليك الدولة، مما يؤدي إلى انتظام ذلك الدرّ الثمين في سلك لآلىء المملكة الأخر.
فوافق السلطان على هذا الرّأي وأمر بكتابة الأوامر إلى جهات «الأوج» لجلب العساكر، وفي التوّ نثر كتبة الدّيوان الأنقاس (^١) الشّبيهة بالعبير على القرطاس المضمّخ بالكافور، وزيّنوا وجه الورق الأبيض بسطور مسلسلة كطرر الحسان الشّبيهة بالشمس، وكغرر الأحبّة المماثلة لهيكل المشتري، وشفعت بتوقيع السلطان، ثم بعثوا بها على يد غلمان الحرس في شكل رسائل مرسلة على الخيل السريعة.
وفي أقل من عشرة أيام تجمّعت حشود تنقّب الغبار المتصاعد من حوافر دوابّها وجه الشّمس والقمر.
أمر السلطان أن يقسّم ذلك الجيش- صائد العالم- ثلاثة أقسام: قسم يثب ويهجم كالنمور من الناحية الصخريّة والحجريّة، وقسم يشتبك في القتال كالتّماسيح من جهة البحر، وجماعة تنطلق كالأمواج العاتية تجاه القلعة في السّفن بينما ينصب على ذلك التل المرتفع- الذي بقي الفلك من حدّته ذاهلا متلفّعا على الدّوام بالغمام الأسود- منجنيق كالجبل تصاب جبال «ألبرز» (^٢) بالوهن من حجارته، وأن يصعد البواسل- الذين تكون الصخور الصلدة وقت الحرب عندهم/ كالحرير- ذلك التل.
فلما وضع المنجنيق وفق حكم السلطنة سمع «كيرفارد» صاحب القلعة أن
_________________
(١) كذا في الأصل: أنقاس، كلمة عربية، جمع نقس: «المداد يكتب به» (المعجم الوسيط).
(٢) اسم سلسلة من الجبال العالية في شمال إيران.
[ ١٢١ ]
السلطان عبر بجيش كبير تلك المياه المهلكة، ولم يلحق به ولا بجيشه أي أذى من وعورة تلك الطّرق المخيفة. فقال: بهذا الحديث سيكون انفصالي عن ملكي القديم، ولن يكون بوسعي أن أفك عني هذا القيد مهما أحكمت التدبير؛ ما كان بوسع الشمس- وهي راكب وحيد- أن تجتاز من قبل هذا الجبل الوعر إلا بألف قائد ودليل، والآن يجتازه الملك كيقباد اجتياز الريح، فما أيسر عليه- بمدد الله وعونه- أن يحارب السّماء ويقارع الفلك، فما لنا سوى أن نتذرع بالصبر ونجلس على باب الانتظار لنرى ما يستخرجه الفلك من وراء الحجاب، فليس ثمّت علاج آخر.
وفي اليوم التالي رفعت الرّايات الصّفراء للملك- الذي طوى الأرض- على القبة اللازورديّة، فاسودّ العالم من غبار الجيش. ورغم أن الزّمان لم يكن بمقدوره أن يلقي نظرة غضب على ذلك المكان الموحش ولم يكن بوسع آذان الفلك أن تسمع أنّ بالإمكان فتحها ببذل المجهود، فأيّ أثر لسهام الفلك على قلعة يتحدث حرّاسها مباشرة مع كوكب عطارد؟! (شعر):
- ولكن حين يكشّر الحظّ المشئوم عن أنيابه، يجعل الحجر الصلد على شاكله الشمع.
أمر السلطان بأن يصعدوا الجبل فوجا فوجا، فاعتلوا تلك الصخور الصّلدة دفعة واحدة كأنهم عقبان طائرة أو نمور كاسرة، وعلى ذلك الجبل، الذي لم يكن للفكر أن يجد إلى ارتقائه سبيلا- بادرت فرقة بالقتال فأحاطت القلعة كالفرجار بمائة منجنيق ثقيل، واستمرّت الحرب شهرين «حتى عبر شهران/ كيوم واحد» (^١). وذات ليلة رأى السلطان في المنام شخصا حسن السّمت أخذ
_________________
(١) ما بين الحاصرتين مكتوب في الأصل باللغة العربية.
[ ١٢٢ ]
يحدثه بهذه العبارات (شعر):
- ليس لهذه القلعة الشّاهقة من نظير، ولا يمكن لأحد استخلاصها بالحرب. … - لكنّ خالق الكون عون لك، واستخلاص مثل هذه القلعة شأن من شؤونك.
- فجيشك إن قصد الفلك، انتزع المخّ من رأس الشمس. … - فإن كان طريق الحرب متّجها صوب البحر، فرّت التماسيح من البحر إلى اليابسة.
- ولكنّ مثل هذا الصرح العجيب، يمكن استخلاصه بقوّة الله.
فصحا السلطان من النوم فرحا بهذه البشارة، وأثبت الأبيات على قصاصة، وحين انبلج الصبح، وسلك جيش الظلام طريق الانهزام (^١)، أذن للأمراء الكبار- الذين كانوا حاضرين في الدهليز الملكي- بالاجتماع به في الديوان، وحكى لهم حكاية المنام، وقرأ عليهم الأبيات، وفرق الكثير من الصدقات من بقر وغنم ودراهم على الفقراء ومطوّعة الغزاة.
وفي نفس الليلة بدا لصاحب القلعة بداء في أمر الامتناع والدفاع، فدعا إليه الأعيان والوجهاء، وقال: لن نتمكن من الثّبات أمام قوّة السلطان، ولئن كانت قلعتنا تجالس الفلك وتجاور العقاب، فإنه يبدو من المحال اجتياز حكم القضاء والقدر، والواجب إذن هو استبدال التّقارب بالتّباعد مع ملك يتمتّع بالعزّة
_________________
(١) يعني حين أشرقت الشمس وبدّد النّور الظلام.
[ ١٢٣ ]
اللّدنية. وفي الحال اختار رسولا صادق اللهجة وأرسله إلى الأمير «مبارز الدين أرتقش» - وكانت بينهما صداقة وطيدة بحكم الجوار وتداني المزار- كي يصبح وسيطا، «كي يلتقط شوك هذا الحزن- الذي بلغت آلامه القلب والروح- بملقاط الألطاف من قدم زماننا المضطرب، ويلتمس العفو من حضرة الملك لذنب لم نرتكبه».
فعرض الأمير مبارز الدين القضيّة على السلطان، فبدت أسارير السرور على جبينه المبارك، وقال: إنّ ما يرضيه لابد وأن يكون موافقا لنا. فأبلغ الأمير مبارز الدين الرّسول بحصول المقصود، فأرسل إلى «كيرفارد» قائلا: «إن الرأي أن يفرغ الروح من الفكر، ويجعل دأبه الإذعان لأحكام ملك الزمان، وينزع من قلبه التعلّق بالقلعة، وينشد من الآن الملجأ والملاذ في الظلّ المبارك للملك».
فلما عاد الرسول تبسّم «كيرفارد» تبسّم الربيع، وأرسل رسولا ذرب اللّسان إلى حضرة السلطان كي يسلّم مكتوبا مشتملا على ما سمعه ملك العالم وهو:
كانت هذه الصخرة الصلدة منذ زمن «دارا» و«هوشنج» (^١) وعهد الإسكندر وقيصر موطنا لآباء هذا المملوك الذليل وأجداده، وحسرة على أعدائه وأضداده، ولم يزمع أي ملك موفّق حربها، ذلك لأن خالق الكون لم ينشئ على الأرض سماء مثلها، وقد زودت من الذّخائر والمتاع بما يكفي إلى يوم الحساب. غير أنّي حين ألقيت بنظرة من بعيد على المظلة المنصورة اعتورني فتور في الأعضاء وتملكتني غشاوة في نور البصر، واستبدّ الضعف بالقوى/ وبدا هذا الموقع المخيف في عين العقل بئرا لاقرار له، فقلت لنفسي: إنّ مناطحة الصّخر والتّشبث بالرّايات الخفّاقة في العلا مهلكة وضياع، والواجب البحث عن مقر ومفر في
_________________
(١) من ملوك الفرس القدماء.
[ ١٢٤ ]
ظل شمس الملوك، فإن شملتني العاطفة الملوكية، وكان لي مع نوال الأمن على حياتي/- كسرة خبز من ممالك السلطان، فسوف يكون ذلك غاية التلطّف مع المملوك ونهاية الحدب على الخادم.
فاستحسن المليك قوله، وقال: لو كان بالإمكان تدعيم أركان نيّة الصّداقة عنده بأوتاد القرابة لوجب أن يتمّ ذلك بأسرع ما يمكن (^١) حتى تزداد ثقته.
فلما سمع «كيرفارد» هذا أتى بخريدة من خرائد النساء لتدخل في زمرة من يلزمن الحرم الملكي [وتنتظم في سلك مطهّرات الحريم السلطاني الميمون وفق أمر الشّريعة المحمّدية] (^٢).
وبذلك التأمت الأمور، وكتب منشور بإمارة «آقشهر قونية» وملكيّة عدد من القري وأرسل إلى «كيرفارد».
وفي اليوم التالي نزل من أوج القلعة إلى حضيض خيمة السلطان- وكانت تسامت زحل- وأخذ في إبداء الأعذار، فلحظه السلطان بعين الرأفة، وجعل يبالغ في تكريمه واحترامه، والتمس «كيرفارد» حضور السلطان إلى القلعة فاتجه بالمظلّة والرّاية صوبها، وبادر أهلها باستقباله بالنّثار والدّراهم والدنّانير. فلما صعد إلى أعلى القلعة شاهد الوفير من المزارع والعديد من المصانع وما لا حصر له من الذّخائر، فأدى شكر النعمة لله تعالى على يسر الفتح بتلاوة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ (^٣) ونصر عبده، وأمر بأن يبنى هناك على تلك الصّخور الصلدة سور، ثم منح ذلك الموضع شرف التّسمي باسمه والتلقّب بلقبه.
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٤٧.
(٢) زيادة من أ. ع، أيضا.
(٣) سورة الزّمر: ٧٤.
[ ١٢٥ ]