أقام السلطان زمنا في «كيقبادية» بقيصرية، وظلّ يتطلّع لسنوح الفتوح.
وحين عبر جيش الملك البحر قاصدا الخزر، رأى أهل السّغد- وكانت بومة الخذلان وطائر الإدبار قد قبعا على شرفات قصر زمانهم- أنّ غابة من السّفن والقلاع قد جرت فوق سطح البحر، فأرسلوا رسولا لاستقبال ملك الأمراء قائلا: إنما نحن مماليك ملك العالم نطيع أمره، فما الباعث على إرسال جيش كثيف إلى شاطئ البحر، فإن كان قد ظهر فتور في أداء الجزية [ورسم] (^١) العبور فيمكن سداد ما عليها من غرامة. وإن كنتم تقصدون الرّوس ندبنا لكم وجعلنا بصحبتكم وخدمتكم شبابا كأشجار السّرو الطليقة لكي يحاربوا الأعداء بالسّيف ولا يضنّون بأرواحهم.
وبعثوا برسول عن طريق الصحراء إلى ملك القفجاق أن أعلام عساكر السلطان قد توجّهت في «الجواري المنشآت في البحر كالأعلام» (^٢) إلى هذه/ النّاحية، والبحر لا يظهر للعيان من تواثب الجيش وحركته الدائمة. فأرسل ملك القفجاق في الحال إلى ملك الرّوس، وجمعوا من قبائل الرّوس والقفجاق وعساكرها عشرة آلاف فارس، وانتظروا ما يعود به رسول أهل السّغد من جواب من لدن الأمير حسام الدين.
ولما وصل الرسول إلى ملك الأمراء بدأ يتكلم كلاما واهنا كبيت العنكبوت،
_________________
(١) إضافة من أ. ع ص ٣١١.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الرحمن: آية ٢٤ وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ.
[ ١٥٨ ]
وقال: المتوقع من ألطاف ملك الأمراء أن يعود لكي نزيل- بقدر الإمكان- مخالفة التّقصير التي ارتكبناها، ونحن نقدّم الآن خمسين ألف دينار في مقابل الأمان الذي يعطيه لنا هذا الجيش.
فاستبدّ الضّيق بملك الأمراء وسط البحر، وقال: أنا ما جرّدت الجيش لكي أقايض سوق القتال بذهب كاسد، أو يرجح عندي خبط أصحاب الفشل بالقول الفاسد لكلّ رسول وقاصد لإحباط العمل، فحين تلقّيت أمر ملك العالم خضت لجّة البحر بسفينة القلب، فكل من يلوي عنقه عن أمر السلطان لن أجعل طوق عنقه إلا رباق الخذلان. أما من يدخل رأسه في دائرة الطاعة فلن يذوق مني إلا لذّة المن والسلوى. وأعاد الرّسول يائسا. وعبرت العساكر كلّها البحر بالتّوفيق والسّلامة، وحطّت رحالها من الرّطب على اليابسة.
ثم إن الأمير حسام الدين أقام حفلا، وظل إلى منتصف الليل يعطي الطّرب حقّه مع أمراء العساكر. وعند الفجر جاء فارس من الطّليعة وقال: ظهر الجيش الغدّار للتّرك. فلما سمع القائد ذلك أمر بأن ينهض الجيش وأن يرتفع نداء الطّبول ليصل إلى سمع «جبريل» (﵇) ثم قال للقادة: يجب علينا قبل أن تصل إليهم قوّات في ميدان المعركة لمددهم من الرّوس والسّقسين أن نضع على أبداننا الدّرع مكان الكفن، وأن نبذل في مواجهتهم أقصى ما يمكننا من جهة، لكن/ بشرط أن نصطبر حين ينتظم الجيش وتتشكّل الصّفوف وتئنّ الأرواح خشية مفارقة الأشباح (الأبدان)، إلى أن يشن الترك هجومهم الثّاني، فتسكن ريح صولتهم. فإذا ما علمنا طريقة قتالهم حملنا عليهم دفعة واحدة كي نظفر بحسن الذّكر.
ومن الجانب الآخر كان التّرك يقولون: لقد عبر جيش كالنّار بمعونة الهواء
[ ١٥٩ ]
فوق سطح الماء إلى هذا التّراب (^١)، وقصد هذه الولاية فينبغي أن نستثير أبداننا ونركّز بأفئدتنا على الحرب والقتال.
وحين خرج الطّاووس المشرقيّ من الحجاب الفستقيّ، بدأ القتال بالنزّال بين الجانبين، فأخذوا يفصلون الأرواح عن الأشباح من الصّباح حتى الرّواح، ويملأون بالسّيوف والرّماح أرض الرّوس الواسعة بدماء الأوداج، وكما جبلت الورود الصفراء (^٢) في هذا الفضاء اللازورديّ مضت عساكر الطّرفين إلى مضارب الخيام.
فأقام الأمير حسام الدين حفلا، ونادى على الأمراء والقادة الشّامخين برؤوسهم، وقال في أثناء العقار: كل واحد منكم أكثر إعزازا مني في خدمة عرش السلطنة، ولكن لابد من التّوافق والتّآزر إذا حمي الوطيس. واليوم، ظهر بعض الفتور عن تصعيد القتال مع الأعداء، فإن لم نضحّ بأرواحنا غدا وفعلنا ما فعلناه اليوم لن يبقى لنا اسم ولا ذكر في الدنيا، فنكون بذلك كخصومنا سواء بسواء.
فأثنى عليه العظماء والقادة، وقالوا: أجل، نحن مماليك سلطان العالم، لكنّك لو أمرتنا لاجتزنا بحصان الامتثال لأمرك ذروة قصر الإثني عشر بابا (^٣) والقبة الزّرقاء كومضة البرق. فنحن إنّما نذعن لكلّ ما تأمر به.
_________________
(١) جمعت هذه الجملة عناصر الكون الأربعة- حسب مقولة الفلاسفة القدماء- وهي: النار والهواء والماء والتراب.
(٢) يعني النجوم.
(٣) يبدو أنه يشير إلى بروج السماء، وتبلغ عدّتها في علم الفلك عند القدماء اثني عشر برجا.
[ ١٦٠ ]
وفي الجانب الآخر، كان التّرك قد شهدوا من جيش الرّوم ما ثخن من جراح (^١)، واستغرق سائرهم بالبدن والرّوح/ في نهر من الدّم، فقالوا: أهل السّغد والخزر يقترفون الذنب وتحلّ علينا نحن غرامته (^٢) ونقمته، ولكن أما وقد وقع ما وقع فلا يجوز التّسليم مهانة وذلّة.
وفي الصّباح الباكر حين ألقت الشمس درعا ذهبية في هذا البحر اللازورديّ على الماء سارع حامل أعلام الجيش المنصور برفع الرّاية، فتحرّكت الجنود، وأخذت السّحابة التي كان وبلها المناصل والمعابل في الإمطار، فهجم الأمير حسام الدين هجمة الأسد، ودفع الجيش في إثره الخيول دفعة واحدة، فلما نصبوا طرّة الرّاية (^٣) في مقابلة ريح النّصر في جيش التّرك، ومزجوا بضرب الحسام دماء عروق أولئك الكفّار العاقّين بالتّراب، وسلك التّرك طريق الهزيمة، وعدّوا الفرار العاجل نصرا مؤزّرا. ودفع الجيش بتلك الحملة الشّجاعة لملك الأمراء حسام الدين جوبان عن عشّ القلب ما كان يتردّد عليه من أحزان، ورفع راية السّرور فوق السّماوات العلى، وتوجّه الجيش بحسن الطّالع صوب المخيّم الذي كان وكرا لعقاب الظّفر وقد نال المقاصد والأماني.
…
_________________
(١) في الأصل: زخم العجم: يعني جرح العجم، ولعله يعني به الجرح القاتل المهلك.
(٢) في الأصل: فراسة، والتصحيح من أ. ع. ص ٣١٧.
(٣) كانت بعض الرّايات تتميّز بأن: «في رأسها خصلة من الشعر تسمي الجاليش» (صبح الأعشى ٤: ٨).
[ ١٦١ ]