كان ذلك الضّغن القديم قد تمكن في قلب السلطان، فلما أصابته نوبة السلطنة ولىّ وجهه شطر تلك الحدود بجيش ثقيل، وكان قد أرسل من قبل مبعوثين مسرعين إلى ملوك الأطراف وإخوته، كي يستعدوا للقتال والنّزال، فبادر مغيث الدين طغرلشاه ملك آبلستان بالانضمام إليه قبل غيره، كما أرسل كذلك إلى الملك فخر الدين بهرامشاه- وكان صهر السلطان ومن أحفاد منكوجك غازي (^١) ووحيد دهره في لطف النّفس وحسن السيرة وعلوّ الهمة ونقاء الجيب وطهارة الذّيل وفرط الّرحمة والشّفقة، ولم يقم في أيام ملكه عرس ولا مأتم إلا وكان المأكل والمشرب فيه من مطبخه، أو يحضره بنفسه، وفي موسم الشتاء حين كانت الغلال والمحاصيل في الجبال/ والبرارى تحرم من إنعام الغمام، كان يأمر بحمل الحبوب في آنية ضخمة إلى الجبال والصحاري ونثرها علي الأرض لتطعم منها الطيور والوحوش بانتظام. وقد جعل «نظامي الكنجوى» (^٢) كتاب «مخزن الأسرار» باسمه، وأرسله هدية إليه فأمر له بجائزة
_________________
(١) كان السلطان ألب ارسلان قد ولّاه إمارة أرزنجان في سنة ٤٦٤، فأسس بها أسرة عرفت باسم بني منكوجك، أما حفيده الملك السعيد فخر الدين بهرامشاه فقد تولي إمارة أرزنجان سنة ٥٥٠. [انظر محمد جواد مشكور، مقدمه بر اخبار سلاجقه روم، صد وهشت].
(٢) هو الحكيم جمال الدين أبو محمد إلياس، من كبار شعراء الفرس برع في القصص التمثيلي، وتنطوي قصصه على نزعة أخلاقية واضحة، وقد بقيت له خمس قصص من بينهما مخزن الأسرار المشار إليه في المتن.
[ ٢٥ ]
قدرها خمسة آلاف دينار وخمس من البغال السّريعة السّير.
فلنعد إلى أصل الموضوع؛ ولقد دعا فخر الدين أيضا- بمقتضى الرأي الأزهر- (^١) بالجند لكي تأتيه من كلّ ناحية، وتوجّه في خدمة السّلطان إلى أرزنجان.
أما علاء الدين سلتقي- ملك أرزن الروم- فقد أخذ يتباطأ في حشد الجند والامتثال والانقياد للأمر المطاع، فأمر السلطان بعزله وعهد بتلك المملكة إلى مغيث الدين طغرلشاه (^٢)، وتوغّل من هناك في ممالك الأبخاز بجيش في عدد النجوم على خيول كالجبال، فنفر أولئك الكفرة الفجرة جميعا في جمّ غفير، وحدثت بين الجيشين مصادمات عديدة، بحيث غطّت أجساد القتلى كل مكان في صحراء المعركة، وأوشك فتح كبير أن يطلّ بوجهه من وراء ستار الغيب، وكادوا يصفون الكفار بمن ولّوا على أدبارهم (^٣)، غير أن حكم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (^٤) قد اختطف زمام المرام من يد أهل الإسلام، وساخت قدم الحصان الذى يحمل المظلّة في جحر يربوع فسقطت المظلة على الأرض فلما وقعت أبصار الحشم والمقاتلين في المعركة عليها ظنوا أن العدوّ ربما
_________________
(١) راجع أ. ع ص ٧٢.
(٢) كان هذا آخر عهد بني سلدوق [سلتقي] بتولي إدارة أرزن الروم، وكان جدّهم الأعلى علي بن أبي القاسم المعروف ب سلدوق قد أسس فيها أسرة حاكمة حوالي سنة ٤٩٦.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا سورة الإسراء: ٤٦.
(٤) سورة الأحزاب: ٣٨.
[ ٢٦ ]
اقتحم القلب وحلّت بالسلطان نكبة، فألقوا باليزنيّات والمشرفيّات (^١) جانبا، وتبدل الكّر بالفرّ، وأصبح الضّارب مضروبا والقاتل/ مقتولا، فصار الأسير أميرا والأمير أسيرا، (وكان ذلك على الله يسيرا) (^٢).
وأوقعوا بالملك فخر الدين مع جماعة من الحشم، وقبضوا عليهم، ونزل السلطان مع الملك مغيث الدين وكوكبة من الجيش في أرزن الروم، وبعد حصول الاستراحة وأسو الجراحة توجّه نحو الروم وذهب إلى قونية، وهناك أخذ يتهيأ للعودة وإعادة الدعوة، وفي أثناء ذلك انتقل إلى جوار ربه بسبب مرض ألمّ به، وكان ذلك في شهور سنة إحدى وستمائة: [شعر]:
فقدناه لما تم واعتمّ بالعلى … كذاك كسوف البدر عند تمامه (^٣)
- نهاية الدنيا ليست سوى التراب … وليس لها من نوال إلا السمّ
…
_________________
(١) كذا في الأصل: يزنيات ومشرفيات، كلمتان عربيّتان، والمشرفيّة سيوف منسوبة إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب، [الصحاح]، أما اليزنيات، فيبدو أنها نسبة إلى ذى يزن بفتح الياء والزاى، أحد ملوك حمير. [القاموس المحيط].
(٢) العبارة بين الحاصرتين مكتوبة في الأصل بالعربية.
(٣) من قصيدة مطلعها: مضى طاهر الأثواب لم يبق بعده … كريم يرّوى الأرض فيض غمامه راجع الأوامر العلائية ص ٧٤.
[ ٢٧ ]