حين رجع السلطان من غزو ثغر أنطالية، وانضمت تلك المملكة الجديدة لسيطرة مماليك السلطنة القدماء، وضع جبابرة الدهر وكبار أهل العصر رؤوسهم على خط أوامره [التزاما بها] وأقدامهم على جادة عهده وميثاقه؛ فلم يكن يجول بخاطر أى إنسان أن تنحلّ عقدة تلك الدولة وتزول شمس تلك السعادة.
غير أن لاعب القدر أظهر ألعابا غريبة من وراء الستار وبيّن نقوشا عجيبة حتى
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٩٩.
(٢) قارن أ. ع ص ٩٩.
[ ٤٢ ]
تحركت نواهض الهمّة وبواعث العزيمة عند السلطان لغزو بلاد الروم المسماة ب لشكري (^١). وسبب ذلك- كما سبق أن ذكرنا- أنه كان يمنع السلطان من دخول بلاده أو الخروج منها لديار الإسلام. ولما تمكن [السلطان] (^٢) على عرش السعادة والإقبال في هذا الوقت أخذ يتلكأ ويتمهل ويتباطأ في إرسال الإتاوات وارتسام الأوامر والخدمات.
وذات يوم اختلى السلطان بأركان الدولة واستطرد في الحديث عن تدارك أمر لشكري، وقال إن لم نبادر بالهجوم لدرء فضوله وغروره فقد يؤول الأمر إلى خلل عظيم (^٣). قال أكابر الدولة إن نقض العهود مذموم، وعاقبته شوم واليمين الغموس يدع البلاد بلاقع، ولا يمكن أن يكون لهذا الفكر من نتيجة سوى خراب الدّيار واضطراب أحوال الدولة، إلا أن طريق الوعد والوعيد لم يغلق في هذا الصدد، وينبغي إرسال الرسل والإعراب عن العتاب البليغ والإلحاح في المطالبة، فإن جاء من طريق الاستغفار مبديا الاعتذار وجب أن تتلى حينذاك الآية الكريمة: «لا تثريب عليكم اليوم» (^٤)، أما إن أصر على النّفاق والشّقاق فينبغي أن نجعل من قول القائل/ آخر الدواء الكيّ حجة وبرهانا.
وهنا قال السلطان:
_________________
(١) أطلق المؤرخون المسلمون لقب لشكري على الدولة البيزنطية أو امبراطور الروم البيزنطيين. انظر مثلا: نهاية الأرب للنّويري، ٢٧: ١٠٩، طبع مصر ١٩٨٥.
(٢) زيادة من أ. ع ص ٣، ١.
(٣) كذا في أ. ع، ص ١٠٣ وفي الأصل جاى يعني مكان، وهو تصحيف.
(٤) سورة يوسف: ٩٢.
[ ٤٣ ]
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلى … مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى (^١)
فلا يفيد عسل العنّاب السكّرى حيث تلزم جراحة مبضع المثقّفات الهندى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (^٢). فأرسل الأوامر إلى أطراف البلاد وحرّض أمراء الجند كبيرهم وصغيرهم على نيّة (^٣) الغزاة والجهاد، واستجابة للأمر الأعلى حضر إلى المعسكر العام للجيش كافة المقاتلين والضبّاط والقادة مع عدد كبير من الأتباع والأنصار وهم على أهبة الاستعداد، وساروا- على هيئه يطيح لهيبتها الأسد القابض على الأرض بمخالبه والنّسر المستولي على الآفاق بجناحيه- في ركاب السلطنة المعظّم.
وحين وصلوا إلى حدود آلاشهر وهى من معظمات بلاد الرّوم- كان الجواسيس قد أبلغوا لشكري بتحرّك الرايات السلطانية فأرسل برسائل الاستغاثة إلى القبائل والعشائر وحكّام البلاد والجزائر وجمع جيشا بعدد الرمل والنّمل والمطر والحصى مما لا يعدّ ولا يحصى، وتوجه لقتال جيش الاسلام بتعبئة كاملة. فهاج جند السلطان من هذه الناحية كالبحر المائج، وكان السلطان قد وقف في القلب كالشمس المنيرة قد لبس لأمة الحرب كأنها الياقوت
_________________
(١) البيت للمتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة، راجع: شرح ديوان المتنبي، لعبد الرحمن البرقوقي ط بيروت، ٣: ١١.
(٢) سورة البقرة: ٦.
(٣) الأوامر العلائية، ص ١٠٥: (برنيت) يعني بنيّة، وفي الأصل: ترتيب، وهو تصحيف.
[ ٤٤ ]
البدخشى (^١)، وعلق بساعده قوسا ذا بأس شديد كقلب الشباب وشدّ على وسطه سيفا مرصّعا بالجواهر قاطعا كأنّه دموع العاشقين، قد امتطى حصانا في قوة فيل بوسعه عبور النيّل بوثبة، يحدث ثغرة في السّبع الشداد بقفزة واحدة، ويقيم وقت الركض أرضا أخرى في السماء بتراب حوافره.
/ وحين شاهد (السلطان) تطاول الرّمح وتعدّى السهم ووقاحة الدّرع وسلاطة السّيف وخشونة السّنان وملامة العمود الثّقيل سلّ حسام الإباء لقطع الدعاوي وفصل الخصومات، ووصل وسط المعركة إلى قلب العدو فرأى لشكري واقفا، فامتنع عن مهاجمته بالسيف، وأمسك بسنان مستقيم فأراه منذ الضربة الأولى وجه الطامة الكبرى، وأطاح به من فوق ظهر الحصان إلى الأرض، وقال مخاطبا له على سبيل الخطاب: أي كندوس (^٢)، (يعني أيها الوغد).
وطلب عبيد الخاصّة السلطانية أن يفصلوا رأسه عن جسده، فحال السلطان دون ذلك، وأمر أن يضعوه فوق ظهر الحصان مرة أخرى ويطلقوه.
وحين علم جيش لشكري ما حل بالملك من مصيبة انهزموا، وبحكم القدر انفصل كلّ الحرّاس والمفاردة عن السلطان، وشغلوا بسلب الأسلاب.
وفجأة قابل فرنجي مغمور السلطان، فلم يلتف إليه باعتباره منصورا بالحشم. [ولم
_________________
(١) الياقوت البدخشى: هو المنسوب إلى «بدخشان» بتاجيكستان الحالية، وهو أجود أنواع اليواقيت وأشّدها حمرة.
(٢) كندوس: كذا، والكلمة يونانية.
[ ٤٥ ]
يستخدم السلاح لزجره ودفعه] (^١). فلما مرّ بالسلطان عطف عليه فجأة وبعث بروحه اللطيفة إلى الفردوس بضربة من حربته، وجمع عدّته وسلاحه وملبوسه وقدم على لشكري مع كوكبة من جيش [الروم الذى كانوا قد رجعوا منهزمين] (^٢). فلما رأى لشكري ذلك اللباس عرفه في الحال، فسأله: من أين جئت بهذا الملبوس؟ أجاب: سلّمت صاحبه لرضوان. قال لشكري: أيمكنك الآن أن تتجه إلى ذلك المقتول وتأتيني بجثّته قال: أستطيع. فأرسل بضعة أشخاص من شجعان الجند معه ليحملوا القالب المطهّر للسلطان، ويذهبوا به إلى لشكري. فلم رآه شرع في البكاء والعويل، وأمر بسبب هذه الحالة بأن يسلخوا جلد الفرنجي وهو حي.
وحين نما إلى علم الأمراء وقادة العسكر أن السلطان نال درجة الشهادة/ ظلوا حيارى قد طار صوابهم، وعدّوا الهزيمة غنيمة، وبدا في جيش لشكري انتعاش وارتياش (^٣)، فوقعوا في إثر المنهزمين من أهل الإسلام، فهلك خلق كثير في تلك الملاحم بعضهم بالقتل وبعضهم الآخر بالغرق وجماعة بالخسف في الأوحال والمخاضات، [وأسروا جماعة من كبار الأمراء مثل آينه چاشنى كير وغيره] (^٤)، وحملوه أسيرا إلى لشكري، وحين وقع نظر آينه على جثة
_________________
(١) زيادة من الأوامر العلائية، ص. ١١.
(٢) الأوامر العلائية، ص ١١٠.
(٣) كذا في الأصل، كلمتان عربيتا الأصل، وارتاش فلان يعني أصاب خيرا فرئي عليه أثر ذلك (المعجم الوسيط).
(٤) زيادة من الأوامر العلائية ص. ١١ - ١١١.
[ ٤٦ ]
السلطان المباركة صرخ وصاح، وأخذ يتمسح بتراب قدم السلطان. فأمر لشكرى بفكّ قيوده، وقدّم له الغزاء.
ومع أن السلطان كان قد نال درجة الشهادة فقد طيبّوه بالمسك وماء الورد، ودفنوه في مقابر المسلمين برسم العارية، ثم حملوه إلى «قونية» بعد انقشاع غمام الواقعة وسلّموه إلى رضوان في مقبرة آبائه وأجداده.
***
[ ٤٧ ]