بعد مدة حمل خبال وبطر الرّاحة وأشر النّعمة كفّار أنطالية على أن يضربوا كأس العهد والميثاق بحجر التمرّد والعصيان، فأخرجوا رؤوسهم- كيهود خيبر- من ربقة الطاعة وأقدامهم من دائرة الاستقامة، ونفروا من رعاية حقوق دولة السلطنة فلبسوا السلاح، وفي جوف الليل- وبسبب ما وقع من لبس- كبس كل جماعة منهم حاكما من الحكّام، وجعلوا الشّريف والوضيع والكبير والرّضيع جرحى وقتلى لسيف الانتقام. وشغلوا حتى استولى الفلق على الغسق بإجراء الدّماء أنهارا من أبدان الحكّام صوب البحر، فما حلّ الصّباح إلا وكانت أرواح الشّهداء قد وجدت الأنس برياض القدس.
وبعد ثلاثة أيام بلغ الخبر مسامع السلطان، فظهر تغيّر عظيم في باطنه المبارك، ووقّع في الحال الأوامر باستدعاء واستحضار العساكر والأمراء، وأرسلها بيد الرّسل المسرعين إلى كافة الممالك، فلا غرو أن حلّت بصحارى قونية أعداد رجال كحبّات الرّمان، ونصب الدّهليز المبارك بصحراء «روزبه» بنيّة فتح أنطالية بفأل اليمن وطالع السّعد، وساروا في اليوم التالي.
أما الرّوم من أهل أنطالية فقد تحقق فيهم عند ذاك قول الحق تعالى:
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ (^١)، فتوسّلوا- بسبب الاضطرار والمحنة- بملوك الفرنج، فسارعوا بشحن بضعة سفن بالمحاربين وأرسلوها لمددهم، فلما شاهد الفجرة من فوق السور ما أتاهم من مدد فوق سطح البحر/ دقّوا طبول البشائر وتغنّوا بلحن السعادة بالوتر السفلي لورود أولئك الذين هم حطب جهنّم،
_________________
(١) يونس، آية ٥٤.
[ ٦٢ ]
وأدخلوهم القلعة بالحفاوة البالغة والإعزاز التام، فشغل أولئك المناحيس بتدبير عدّة القتال، فركّبوا المجانيق من داخل المدينة.
وحين وقعت ظلال المظلّة السلطانية على تلك الأطلال أمر في التوّ بأن يحيط الجند بتلك الخطّة كما يحيط قطر الدائرة بالنقطة، فزحفوا مع حملة السهام زحفا ارتعدت منه عظام دي وبهمن (^١)، ولم يستطع أحد منهم أن يظهر وجهه لأحد من السّور خوفا من ذلك الزحف.
وفي اليوم التالي حين وصلت أسلحة الحصار ومعدّاته ووصل المشاة، أمر فأمسكوا المغازل بالليل وصنعوا السلالم وهيّأوا المنجنيق للعمل. فلم يكن لأولئك الملاعين من حيلة إلا إلقاء الحجارة، إذ لم يكن بوسعهم أن يتحركوا فوق السّور خشية أن يصابوا بالجراح من سنان السهام. ولما طالت مدّة [المقارعة] (^٢) أمر السلطان بإعداد سلالم عريضة يمكن لعشرة من المشاة أن يرتقوها دفعة واحدة، وأن يصعد شجعان الجند فوق السّور فيفصلون في أصل هذا النزاع بحكم الحسام القاطع.
فعدّوا امتثال الأمر لازما، وأعدوا السّلالم على نفس المنوال، وعيّنوا الجماعة التي تحمل السلالم تحت السّور، والطّائفة التي تصعده، والفوج الذي يرمي بالسّهام.
وفي اليوم التالي سار الجيش بأسلحته، أما عقاب مظلّة المتمكّن في الأرض فقد بسط أجنحته، وتحرّكت الرّاية المنصورة، وطلب السلطان أبطال الحشم،
_________________
(١) دي وبهمن: الشهران العاشر والحادي عشر من السنة الهجرية الشمسية الفارسية ودي أول شهور الشتاء ويعادل شهري ديسمبر/ يناير من السنة.
(٢) إضافة من أ. ع، ص ١٤٤.
[ ٦٣ ]
وبذل لهم الوعود الجميلة حتى حملوا بأسرهم حملة كعزرائيل، فأجروا من العيون النضّاخة في عروق الكفّار أنهارا صوب البحر./ وجرى قول الحق جلّ وعلا تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (^١) مجرى التداول. ونصبوا السّلالم، وصعد الشّجعان بالدّبوس الثقيل والسّلاح الخفيف عشرة عشرة من كل برج كالشّمس التى امتشقت الحسام، فقتلوا الفرنجة الذين كانوا على السّور، ونزلوا وفتحوا البّوابة، فدخلت العساكر، وتجاوز تدفّق الدّماء الحدّ، وعدّوا الإبقاء والعطف على الصّغير والكبير من المحظورات، وغنموا أموال أولئك الكفرة وعيالهم حيث أخذوهم رقيقا.
وفي اليوم التالي دخل السلطان المدينة، وجلس على عرش المملكة، فقيّد الصقر المسيطر على الفضاء بقيد الصّيد ثانية، وأمر بإقامة الاحتفالات العامة، وخصّ الأمراء والقادة ورؤساء العشائر والبواسل من العساكر المنصورة، فجعلهم ينالون الحظوة بمكارم وعواطف غير محصورة.
واستمر الاحتفال بعد انتهاء القتال سبعة أيام، ثم ألقى نظرة على سائر البيوتات، فما كان فيها معدوما جعله موجودا، وما كان قليلا أحاله كثيرا، وبلغ بحدّ النّقصان غاية الكمال، وبادر بترميم السّور وزاد من ارتفاعه وسدّ كل ثلمة فيه. وعهد من جديد بقيادة الجيش للأمير مبارز الدين أرتقش كي يستميل القلوب بحكم اطّلاعه على أحوال السّواحل، ويعيد المتمرّدين والمشرّدين إلى الماء والأرض. فضمّ أموال الخونة وأملاكهم إلى ديوان الخاص، وسجّلها في دفاتر الديّوان الأعلى، وأضاف بعضها إلى الإقطاعات.
وولّى السلطان وجهه صوب قونية، وكتب رسائل الفتح والظّفر لأطراف العالم، وأرسل من تلك الغنائم تحفا لا حصر لها إلى ملوك الأطراف.
_________________
(١) الطور: الآيتان ٩، ١٠.
[ ٦٤ ]