ذات يوم، جلى ملك المشرق (^٢) بوجهه السّعيد على الفلك اللازورديّ فأخذ السلطان يتجوّل م؟؟؟ صحاري «قونية» ورياضها مع أمراء الديوان والقادة، وفجأة ألقى بنظره صوب المدينة فرآها مدينة قد ازدانت بما فيها من بشر ومتاع، بلغت مساحتها مسيرة يوم، قد غرست في طولها وعرضها المزروعات والأشجار المثمرة (شعر):
- ينبع ماؤها من نهر الفرات، يمر ريحها على ماء الحياة. … - سارع النّاس من كل بلد وإقليم، واستوطنوا تلك المدينة الوادعة الهنية.
- هي ليست بمدينة، بل عالم بأسره، هي بحر عميق، غير أنها سمّيت: مدينة.
لكنها «كالنّصل عرّي متناه من الخلل» قد عطلت من حلل السّور، قال السلطان لأمراء الدولة: من الخطأ البالغ ترك مثل هذه المدينة الشّهيرة معطّلة من حلل السّور كالعرائس الفاتنة المجلوّة. ولئن كانت/ الدنيا- بسبب ما لنا من همّة مظفرة وسنان فتّاك- تعدّ سورا حولنا، فالحزم يقتضي ممّن يتّصف بالدّهاء أن يكون على حذر دائم من الجشع والطّمع، فدورة الأيام لا تدوم على وتيرة، والزمان مولّد للحادثات، والشّمس جالبة للواقعات، (بيت):
- يأتي الزمان بآلاف الصور، ولم يكن، أي منها موجودا في مرآة تصوّرنا.
_________________
(١) في الأصل: ربع آن: يعني ربعها، والتصحيح من أ. ع، ٢٥٢.
(٢) يريد به الشمس.
[ ١٢٨ ]
ورأينا منصرف إلى أن يقام سور حول هذه المدينة و«سيواس»، كي لا تؤثر فيها فأس دواهي الدّهر المتقلّب، وينجاب عنها نقاب أحقاد الأحقاب.
ثم إنه أمر بإحضار المعماريين والرسّامين الحاذقين، وركب مع الأمراء وطاف حول المدينة، لكل يحدد بالرّسم مواضع البروج والأبدان (^١) والبوّابات. ثم أمر نوّاب الخاصّ السلطاني بأن تقام من الحساب الخاصّ أربع بوابات مع بعض الأبراج والأبدان، وقسّم الباقي على أمراء البلاد- كلّ على حدة- وأمر بالإسراع في الأمر واغتنام الفرصة، وأرسل أمرا بنفس المعنى إلى أمير المجلس «بسيواس»، لكي يبني بدوره- بعد الحصول على موافقة الملوك والأمراء في تلك النواحي- سورا كالجبل حول «سيواس».
وبدئ في وضع أساس السور بكل من «قونية» و«سيواس»، وتواصل العمل ليلا ونهارا- على قدر الاستطاعة والإمكان- بهدف الإنجاز والإتمام. ولم يتركوا شيئا إلّا فعلوه في سبيل تقوية القواعد وإعلاء الأبدان وتشييد البروج، لما كان بينهم من عصبيّة وحسد. وبعد الإتمام أبلغ السلطان، فركب وطاف على أطراف الخندق، ونظر إليه بعين الاعتبار/ وشعر بالرّضا والاغتباط، ثم أمر بأن ينقش كل واحد منهم اسمه بالذّهب على الحجر، لكي يبقى لمساعيهم اسم ورسم في الدنيا لأجيال عديدة، ثم أقام احتفالا، وباشر البهجة والأنس.
…
_________________
(١) كذا في الأصل: ابدان، ولعله يريد بها الأسوار.
[ ١٢٩ ]