حين ارتحل الخوارزميون من إقليم «أخلاط»، وانطلقوا صوب أرزن الروم، ولحقوا «بطو غطاب»، صادفهم في الطريق مرج كأنه من روضات الجنان، فراقهم لخصب منبته ولطف مرعاه، وفتنوا به، ونزلوا جميعا دفعة واحدة، وأنزلوا السّروج عن ظهور الخيول ووضعوها على الأرض، وتخلّوا عن أسلحتهم، ووضعوا رؤوسهم على وسادة الرّاحة، ثم راحوا في نوم عميق.
وفجأة أغارت عليهم من أحد الوديان كتيبة مغولية، فجعلت عددا لا حصر له منهم علفا للسيوف، بينما نجا بروحه كلّ من أعطي مهلة في الأجل، وشردوا في الوديان فرادى وجماعات.
وحين حسم جيش المغول أمر الخوارزميين، كانت السّماء قد اصفرّت [ومالت نحو الغروب] فجاءوا إلى أبواب «أخلاط» بسيوف رزقاء ملوّثة بالدّم، فلزم الفرسان والكتّاب الذين كانوا في المدينة الحيطة والحذر طول اللّيل، وتأهّبوا للقتال والنّزال. وعندما انبلج الفجر كان جيش المغول قد ارتحل، وترك النّيران في مكانها مشتعلة. فدفع الصّاحب عددا من الفرسان للتحقّق من الأمر، فدقّقوا النّظر في المكامن والمهارب والمسارب والكهوف، فلم يعثروا على أيّ أثر. وفجأة خرجت عجوز وهي تزحف من فتحة أحد الجدران، وأسرعت نحو الفرسان،
[ ٢٢٧ ]
فحملوها إلى الصّاحب. كانت تلك المرأة أمّ (^١) قير خان، قالت:/ ما إن استغرقنا في النّوم بصحراء «طوغطاب»، حتى هجم علينا فجأة سبعمائة رجل من لابسي الدروع من جيش المغول، كانوا قد ظلّوا يقودون خيولهم من «مغان» إلى تلك المنطقة طوال ستة أيام بلا توقّف، فنجا كلّ من كان متيقّظا وأتيح له الإمساك بدابّة من الدوابّ، فصعد جبلا أو هرب في واد. ثم إنهم أخذونا وساقونا إلى أن رأوا الفرسان. فاتّخذت من ظلمة الليل وقاء عصمني، وتخفّيت في فتحة بأحد الجدران. ومن ذلك الحين وأنا لا أعلم شيئا عن أحوال الخوارزميّة.
قال الصّاحب: أليس من العار أن يعجز أربعة آلاف رجل من الخوارزميّة عن التصدّي لسبعمائة رجل من التّتار؟
أجابت العجوز: لو ألقيت قلنسوة مغولي وسط آلاف مؤلّفة من الفرسان الخوارزمية لولوا الأدبار جميعا، هكذا تمكن رعب المغول في قلوب الخوارزميّة.
فانفعل الصّاحب لقول أنثى الضبع تلك، وقال يجدر بنا قبل أن ينقلب المغول ويحاصروا المدينة أن ننطلق إلى أرزروم [فاستصوب كلّ أصحابه هذا الرّأي] (^٢)، وأخذوا في تدبير الأمور الهامة للمالك، وحملوا من العلف ما يكفي لأربعة أيّام ثم سلكوا طريق أرزن الروم.
وهناك جاء الرّسل من كلّ ناحية بأن كل فرد من جنود الخوارزمية قد انتهى به المطاف إلى إحدى النواحي. فأرسل الصاحب مبعوثين لدعوتهم إليه، فجاءوا
_________________
(١) «أم امرأة قير خان» أ. ع، ٤٣٣.
(٢) إضافة من أ. ع، ص ٤٣٤.
[ ٢٢٨ ]
جميعا في خدمته، وقصّوا عليه ما حدث. فبالغ الصّاحب في استمالتهم وقال:
المأمول إلا تتعرّضوا بعد ذلك لأي نكبة بجلال دولة السلطان، وأن تكون هذه آخر النّكبات وخاتمة المصائب. وأعطى لهم جميعا الثّياب والذّهب، فانطلقوا راضين صوب قيصريّة.
وحين وصلوا إلى أعتاب السلطنة في قيصريّة، أثنى السلطان على الخدمات الرّائعة والآراء السّديدة للوزير وطيّب خاطر الخوارزميّة، ومنح «أرزنجان» لقير خان، و«أماسية» لبركت، و«لارندة» «لكسلوسنكم» / و«نكيدة» «ليلان نوغو» بصفة إقطاع.