وحين عاد أمراء الرّوم إلى خيامهم بعد وداع عساكر الشّام، قالوا: لئن كان أمراء الشّام قد استولوا على «حرّان» بالحيلة فسوف يلحقنا أكبر الشين وأعظم العار إن رجعنا- بجمعنا الكبير هذا- دون أن ننجز عملا. ويحسن بنا أن أن نتّجه إلى «آمد» فلعلّ الله ييسر لنا فتحها.
وكتبوا بهذا المعنى مكتوبا إلى حضرة السلطنة، وطلبوا مددا من الجند ومعدات القتال، فندب السلطان في الحال «چاولي چاشني كير» مع «يوتار چاشني كير» سوباشي (^١) نكيسار، مع سائر عساكر ولاية «دانشمند» (^٢)، وأمرهم بالإسراع في المسير، فلحقوا بباقي الجند في أيام قلائل، وباشروا الحصار.
وذات يوم عند غلبة الهاجرة، كان «فخر الدين ابن الدّيناري» - حاكم قبائل الأكراد- جالسا على طرف السّور، فسار «ناصر الدين أرسلان بن قيماز»، نائب ظهير الدين بمحاذاته، وألقى ﵇ وسأله عن الأحوال، ثم قال: إلى متى يتحمل سيدي مكابدة الحصار وعناء القتال والنّزال، إن لدى الأمير ظهير الدين كلمات يريد أن يفضي بها إليك. فأجاب: سأرسل لكم بعد صلاة العشاء رجلا ثقة شكله كذا وهيئته كذا من باب «الماء»، لكي يسمع ما يقوله ظهير الدين ويبلغه إليّ.
وفي الوقت الموعود برز من البوّابة شخص في زيّ فقراء [الصّوفية]، فأخذه
_________________
(١) انظر فيما سبق، ص ١٠٧، هامش ١.
(٢) انظر فيما سبق، ص ٣٤، هامش ٢.
[ ٢٦٦ ]
ناصر الدين وأتى به إلى ظهير الدين وفي الحال أخلى ظهير الدين المكان ثم قال:
يعلم ذوو الألباب أن تمكّن السلطان بالمال والرّجال والشّوكة والقوّة هو- دون ريب- أكبر وأعظم من سائر ملوك الدّيار، وأنه لا حاجة به إلى هذه القلعة؛ لكن الذي ينبغي أن تعلموه بيقين هو أنّ الجيش طالما جاء إلى هذا الموضع فلن ينصرف حتى ينال مبتغاه، ولو أنّ الأمير فخر الدين سلّم القلعة قبل أن يبادر إلى ذلك شخص آخر، فإن ذلك من شأنه أن يبلغ براية حكمته ذروة المعالي وشرف الشّرف. ويعهد بالمدينة إلى مماليك دولة السلطنة. وأنا ألتزم بالوفاء بكلّ مقصود لديه، وأقسم بالأيمان الغلاظ أن أحقّقه له من حضرة السلطنة (^١). ثم إنه سلّم ذلك الشخص خمسين/ دينارا.
فلما أبلغ الرّسول فخر الدين بما حدث، أظهر السّرور البالغ، وأخذ يتأهّب كلّ لحظة. وفي اليوم التّالي جاء الرّسول بالجواب: إنّني لا أجد في تسليم المدينة طريقا سوى أن تحرقوا الباب الحديديّ للسور الموجود على حافّة الخندق، فإذا ما تم ذلك وعملت النار عملها، قمت أنا- في ظلمة من الليل- بإنزال حبال المجانيق، لكي أرفع الجنود إلى أعلى السور، وهكذا يتمّ الفتح. شرط أن يقسم الأمير ظهير الدين على الاتّفاق الذي يقترحه والوعد الذي يلتزم به (^٢)
فأقسم الأمير ظهير الدين في الحال- وهو واضع يده على المصحف- أنّه لابد أن يفي بما يقول، وألا يلفّ أو يدور حول التأويل والتبديل، وألا ينقض حبل الميثاق وينكثه بأيّ وجه من الوجوه، وأن يفي بمرادات الديناري بكلّ عناية
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٩٣.
(٢) أيضا.
[ ٢٦٧ ]
واهتمام. وأن يرسل إلى الملك الصّالح (^١) في «حصن كيف» أربعمائة ألف درهم نقدا برسم الفدية (^٢).
فلما قفل الرسول راجعا إلى المدينة وحكي ما كان قد سمعه، أعاد «ابن دينار» الرّسول من جديد قائلا له: لابد أن يسلّموك أربعمائة ألف درهم حتى تضعها في الصّندوق، وتختم عليها بالختم ثم تعود. وحين رجع الرسول إليهم وعرض الأمر عليهم انطلق الأمير ظهير الدين إلى «چاولي» وطرح عليه القضية، فأرسلا في استدعاء الأمراء بأسرهم. وجاء كل منهم بما عنده من فضّة وذهب فقدّمه، وتمّ تسليم ذلك كله إلى الرّسول فوضعها في الصناديق وختمها ثم قفل راجعا.
وفي اليوم التّالي أخذ العساكر يحملون أشجار العنب الجافة حزمة حزمة إلى باب الفصيل، وجرت محاولات من أعلى السّور لردّهم على أعقابهم، إذ تمّ قصفهم براجمات الحجارة والسّهام، لكنها لم تجد نفعا. فلما غطي الباب بأكمله أضرم النفّاطون المهرة النّار فيه، فتصاعد دخان الهشيم إلى عنان السماء، واحترق الباب وتساقط ما به من حديد.
فلما أسدل الظلام أستاره أدلى ابن الدّيناري بالحبال لكي يبدي الأبطال شجاعتهم ويرتقوا البرج. فوقع نزاع بين العساكر بسبب التّسابق [على الصعود] / ولفرط ما صدر عنهم من قيل وقال تنبّهت فرقة أخرى من حرس الأبراج،
_________________
(١) هو الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان النّاصر صلاح الدين الأيوبي (٦٠٠ - ٦٥١)، راجع ترجمته في المنهل الصافي، ٢: ٥٥، وعقد الجمان في تاريخ أهل الزّمان، ص ٨٤.
(٢) قارن أ. ع، ٤٩٥.
[ ٢٦٨ ]
فأمسكوا بمشعل لاستيضاح سبب هذا الهرج والمشغلة (^١)، فرأوا أنّ حبال المنجنيق قد تدلّت من ذلك البرج والبدن اللّذين فوضت حراستهما إلى ابن الدّيناري، وأنّ الخيانة حلت محل الأمانة. وفي تلك اللّيلة عاد العساكر خائبين.
وفي اليوم التّالي عقد أكابر المدينة اجتماعا، وقالوا إن ابن الدّيناري- وهو الركن الأوثق في الحراسة- اختار المخالفة وليس لنا من سبيل لأخذه وتوبيخه.
والرأي هو أن نسلّم القلعة برضائنا كي لا تصبح الآية الشريفة: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (^٢) وصفا لحالنا. ثم أصعدوا شخصين أو ثلاثة إلى أعلى السور. فنادوا قائلين: ابعثوا بناصر الدين نائب ملك الأمراء إلينا عند «باب الماء». فذهب ناصر الدين إليهم، وكان قاضي المدينة و«نجم الدين ابن جبير الجار» و«المقدّم جعفر المنجنيقي» وغيرهم من كبار الشّخصيات قد حضروا، فقالوا له: لو تحمّلت بعض التعب وأبلغت الأمراء السّلام لكي يتجشموا المشقّة ويأتون إلى هنا لحظة.
فلمّا حضر الأمراء نزلوا من أعلى إلى أسفل، وجعلوا الباب مواربا حتى نصفه، ثم أقبلوا على الأمراء فصافحوهم وعانقوهم. وبعد القيل والقال التزم الأمير «ظهير الدين» بإنجاز مطالبهم وأكدها بأقسام القسم وأنواع الأيمان. وظهر الإصلاح الكامل بين الجانبين.
وفي اليوم التّالي دخلّ كل أمير بجنده ورايته المدينة، ونصب أعلامه على سور «آمد» /، وضربوا طبول البشارات ثم إنهم ذهبوا إلى قصر السلطنة، وجعلوا النّاس يقسمون- الواحد تلو الآخر- على الولاء للسلطان غياث الدين وطاعته
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٩٥.
(٢) سورة السجدة: ٢٩.
[ ٢٦٩ ]
وسارع محافظو القلاع الأخرى إلى خدمة الأكابر، وقدّموا مفاتيح القلاع وأوضحوا تفاصيلها وما بها من متاع.
ثم بعث برسول مسرع إلى حضرة السلطان بهذه البشارة، فأمر السلطان بكتابة رسائل الفتح وبأن تسطّر للأمراء الأوامر مشتملة على شكر ما بذلوه من مساع. وقال السلطان: «كل ما يراه الأمراء من مصلحة تتعلّق بتلك المناطق، فإن عليهم تنفيذه على الفور دون انتظار أمر أو استطلاع رأي. لأنهم مكلّفون من قبل الحضرة بتقديم المصالح وتأخير المفاسد بتلك الديار» (^١). ولقد عهد بقيادة الجيش إلى «مبارز الدين عيسى» الجاندار.
…
_________________
(١) العبارة ل أ. ع، ٤٩٧، وعبارة الأصل مضطربة.
[ ٢٧٠ ]