حين سمع أهل «السّغد» خبر كسر جيش «القفجاق» صارت قلوبهم واهنة وظهور آمالهم مكسورة، وشرعوا في إعداد العدّة وإرهاف الأسياف وتثقيف الأسنّة، وتأهبّوا للحرب.
وبعد أسبوع نزل القائد بجيش جرّار على باب المدينة، وفي اليوم التالي حين أخذ وجه الملك السّيّار في التألق من تحت المظلّة السوداء للّيل، تحرّك الجيش فوجا فوجا كجبل من الحديد، واندفع الشباب المحاربون بالسلاح/ والعدّة من داخل المدينة نحو الجيش، وظلوا في حراب وطعان وضراب حتى نسخت آيات النّور بالظلام وطلعت كواكب الفلك الأزرق. ورغم أنّ عددا لا يدركه الحصر من العساكر المنصورة صار مجروحا وأصبحت دماؤهم في ميدان المعركة مسفوحة فإنّ نقش وجود السّغديين قد أمّحى من لوح الوجود بحدّ السيف البتّار.
وفي اليوم التالي حين أضاءت مظلة الشّمس الذّهبية فوق المهد المظفّر للفلك، وتبددت ظلمة الدّيجور بأشعّة النّور، تحّرك الجيش من جديد، وخرج المشاة من المدينة للقتال وقد انطوى الدّرع على الدّرع، بينما أثار الفرسان الأبطال الغبار (^١)، وتقاطر بعضهم وراء بعض، وحاربوا بالنّفط والأقواس والسّهام والحجارة. فولّى جند الإسلام الأدبار- بحكم ما كانوا قد تواضعوا عليه فيما بينهم- وأعطوا ظهورهم [للعدوّ] دفعة واحدة، فصار السغديّون من الفرح
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٣٢٦.
[ ١٦٥ ]
كأنّهم الأسود في الشجاعة، وانطلقوا في إثرهم. فلما ابتعدوا عن المدينة عطفت عليهم العساكر المنصورة، وأعملت فيهم السّيوف الجسورة، وانهمر سيل من دماء الكهول والشّباب في الأودية والشّعاب.
ولما حلّ اللّيل، أوى السلطان ذو السّلب الذّهبى (^١) إلى فراش حريريّ أسود، بينما ولّى ملك الأمراء وجهه- بتأييد الإله وعظمة دولة السّلطان وقوّة الجيش- إلى حيث يستريح. وبعد تناول الطّعام جعل الرأي للمدام، وقال: أما وقد طفحت الأرض بدماء الثّمالى الأشرار، فلا بأس من أن نعدّ دم الدّنّ- لإصلاح شأن البدن- حلالا وإن كان حراما، فلم يبق من دم العدوّ صاف ولا عكر.
وحين رأى كبار السّن في المدينة أن لم يعد من الشّباب إلا أسماؤهم، إذ فجرّ حدّ السيف من سحاب وجودهم سيولا، قالوا: إن بضعة آلاف من الشّباب البارع في القتال المتقن لدقائقه قد ولّوا وجوههم شطر إقليم العدم، فكانوا كالهشيم تذروه رياح هيبة هذا الجيش، ولم يكن بوسعهم الصّمود لغارة واحدة، فلا حيلة لنا بعد هذا إلّا التضرع/ والتذلّل. فهذا الذي حدث لنا ما نجم إلا عن ضعف الرّأي وفساد التصوّر، ولن يفيد «جزع وقلق بعد ما جرى الكتاب وسبق» (^٢).
ثم إنهم أرسلوا بضعة أشخاص ممن عرفوا بالخبرة وطول التجربة إلى ملك الأمراء، فقبّلوا الأرض حين سمح لهم بالسّير، وقالوا: أجل، قد بلغت
_________________
(١) زرين سلب: والسلب، ما يسلب، يقال: أخذ سلب القتيل، ما معه من ثياب وسلاح وغيره … (المعجم الوسيط) ويعني به الشمس.
(٢) وردت هذه الجملة في الأصل باللغة العربية، قارن أ. ع، ص ٣٢٧.
[ ١٦٦ ]
جرائمنا وزلاتنا أقصى الغايات، لكن الأمر يسهل علينا إن جعلنا لطف ملك الأمراء لنا شفيعا، فالواجب عليه في هذا الاقتدار الاقتداء بمالك ذي الفقار (^١) حيث يقول: «إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه»، سوف نقدّم كل ما يأمر به من خراج، ونؤدي كل ما يفرضه علينا من جزية (^٢)، ونتحمل غرم أموال التّجار التي ضاعت في هذا السّاحل، ونبادر بطاعة كل من يسمّيه لإمارتنا وخدمته عن صدق نيّة وإخلاص طويّة.
حين رأى ملك الأمراء ذلك التضرّع قال: ما تسبب في حدوث هذه الواقعة إلا شؤم رأيكم وسفاهة الشباب الذين سقطوا بصحراء الملحمة «كلحم على وضم» (^٣) فعليكم بالانتظار الآن حتى أبعث واحدا من الأعيان لحضرة السلطان، وأتشفّع لديه كي يمنّ عليكم، فإن فعل أمنتم من جور دورة الفلك الجافي، وما وقعتم بعد ذلك أسرى لمثل هذه المحنة، بل لن تروا بعد من أذى أبدا.
فلمّا تبدّت للرّسل ألطاف ملك الأمراء من خلال تلك الألفاظ آبوا إلى المدينة سعداء، وقصّوا على أهلها ما كانوا قد رأوه وسمعوه، وظلّوا الليل بطوله:
كل من كان لديه شىء أتى به؛ فجمعوا خزانة هائلة من كل نوع من النّاطق والصّامت والصّاهل والنّاطق (^٤).
وعند الفجر حين أطفئ قنديل القمر، وأشعل شمع الخميلة الزّرقاء، أمر
_________________
(١) يريد به أمير المؤمنين عليّا بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
(٢) قارن أ. ع، ص ٣٣١.
(٣) كذا في الأصل، بالعربية.
(٤) كذا في الأصل: ناطق: ولعلها: ساكت.
[ ١٦٧ ]
ملك الأمراء بأن يلبس الجند بأسرهم السلاح، وجلس هو مع القادة أمام خيمة القيادة، فاندفع النّاس صغيرهم وكبيرهم/ من باب المدينة، واختلطوا [بالجند] كما يختلط الذّئب بالحمل لعدل ملك الأمراء. وقدّمت الهدايا، وصاح قادة السّرايا: ليرفع سائر الجند يد التّنغيص والشّحناء عنهم من الآن فصاعدا.
ثم أمر ملك الأمراء بتجهيز سفينة سريعة للغاية- كانت تسبق القمر في السير- لكي تقلّ أخماس الخاصّ السلطاني مع الهدايا الأخرى في صحبة رسول قد تحلى بآداب خدمة الملوك برسالة مشتملة على ذكر كل ما جرى من أحوال.
فلما وصل الرّسول إلى الدّيوان وأبلغ البشارة بفتح «السّغداق» وكسر جيش «القفجاق» ومهادنة ملك الروس، أمر السلطان وهو يشعر بارتياح بالغ بأن يطلق سراح المسجونين، كما أمر بتسليم ذلك التّاجر [الذي كان قد سبق له أن استغاث واستعدى، والتمس العون من عدل السلطان ومرحمته] (^١) إلى الرّسول. أمّا الرّسالة التي كتبت لملك الأمراء فقد اشتملت على شكر المساعي الجميلة التي تجلّت من جانبه هو والعساكر في تلك المعركة. ثم إنه سيّر الرّسول بالخلع السلطانية التي تم إعدادها لملك الأمراء وسائر القادة من خزانة ثياب السلطنة.
وقال السلطان: قد تجاوزنا بشفاعة ملك الأمراء عن سفاهة السّغديين، ومنحناه ما اقترفوه من ذنب، لكن بشرط أن يحلّ المحراب والمنبر وشريعة النبي ﵊ شعارا وقانونا عوض الوثن والنّاقوس، وأن يرّدوا ما قد أخذوه من تجّار الديار. فإن هم أدّوا هذه المهمات على الوجه الأكمل، يعود ملك الأمراء بالجيش في حفظ الله العادل.
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٣٣١.
[ ١٦٨ ]
وما إن وصل الرّسول حتى تلي الأمر على رؤوس الأشهاد، وتحصّل للرّجل التّاجر عوض كلّ درهم دينار. وخرج الجيش بأسره في أبهّته وزينته، وأقيم منبر كأوائل الربيع مزيّن بالثياب الفاخرة [الملوّنة] (^١)، ووضع المصحف المجيد/ فوق طبق ذهّبي، فأخذه ملك الأمراء ووضعه على رأسه وأمسك راية السلطان بكفّه، ودخلوا المدينة بكلّ أبّهة وجلال، وأذّن المؤذّن على مكان عال، وحطّم النّاقوس المعمول به عند النّصارى تحطيما كاملا.
وفي أقلّ من أسبوعين [شمّروا عن ساعد الجد وأخذوا في تشييد مسجد جامع كبير فأتمّوا بناءه] (^٢)، ثم نصبوا مؤذّنا وخطيبا وقاضيا، وأخذوا من أبناء كبار الأعيان عددا من الصّبية رهينة، وتركوا أحد القادة مع فوج من الجيش حامية هناك، وحين تّم إعداد السّفن وتجهيزها رجعوا بضمان السّلامة في صحبة ملك الأمراء إلى حضرة السلطان (^٣).
…
_________________
(١) إضافة من أ. ع، ص ٣٣٣.
(٢) ما بين الحاصرتين ترجمة لنص الأوامر العلائية (ص ٣٣٣)، وقد فضّلناه على الأصل لركاكة عبارته واضطرابها.
(٣) قارن أ. ع، أيضا.
[ ١٦٩ ]