حين عزم موكب ملك النّجوم على الانصراف- بالأمر الإلهي- من برج القمر إلى برج الحمل، وكسا بصنعته أطراف قلل الجبال بالحليّ والحلل.
انطلق السلطان من أنطاكية وعلائية إلى قيصرية التى كانت مجمعا للعساكر.
وأمر الأمير كمال الدين وسائر أركان الدّولة أن يعقدوا العزم على فتح حرّان، والرّها، والرقّة ومضافاتها، ويجعلوا من ديار العادل والكامل وقصورهما مجاثم للسّكون، ومرابض للظّباء والأنعام.
_________________
(١) إضافة من أ. ع ٤٤٦.
(٢) قارن أ. ع، ٤٤٦.
[ ٢٣٧ ]
فانطلق ملك الأمراء كمال الدين بخمسة آلاف فارس كالبرق اللّامع. وما إن بلغ تلك النّواحي حتى نصب المجانيق، ورغم أنّ شرفة «حرّان» كانت تسامت برج النّجوم، وتستنكف عن أن يذكر بين يديها جبل «قاف» كما كانت أمواج خندقها توقع الرّعدة في روح البحر الأخضر، فإن الرّجفة أخذتها من كل جانب بسبب تواتر الهجمات ووقع أحجار المجانيق في بيوت ساكنيها والحجرات. لكنهم- إنصافا لهم- صابروا مدة شهرين.
فلما عجزوا عن تجرّع ما للصبر من كاسات مريرات، وشرع عسكر الكرج والفرنج في إيذاء كرائم حريم المسلمين في المدينة، صرخوا طالبين الأمان لتسكين هذه الفتنة وخوفا على أرواحهم. وأرسلوا الأكابر لخدمة ملك الأمراء.
فاشترطوا عليهم إلا يحملوا خارج القلعة شيئا سوى الأطفال والعيال، وأن ينزلوا منها عارين كالحليب/ ويخرجوا خروج الشّعرة من العجين.
فرفعوا الرّاية السلطانية وصعد الأمراء إلى القلعة وهي خالية، فأثبتوا في الدفاتر ما لا حصر له من الأموال والخزائن، وشحنوها في الصناديق ثم ختموا عليها (^١)، وأبلغوا السلطان. فأمر- بعد أن أثنى على ما بذلوه من مساع- بأن يرسلوا الخزائن بكل حيطة إلى الخزانة العامرة، ويتركوا بالقلعة ما لابد من وجوده بها، ويرسلوا ما تبقى مما انتقوه لكي ينقل إلى ملطيّة المحروسة. ثم إنّ عليهم المبادرة بترميم ثغرات القلعة، والتّوجه بعد إنجاز المهامّ إلى الأعتاب السلطانية.
وبعد عودة ملك الأمراء والعسكر من فوق قلعة حرّان وصل رسل ملطيّة فجأة بخبر مفاده أن الملك الكامل عاد إلى حرّان واستولى على القلعة ثانية بحصارها، ووضع المحافظين والجند والنواب في أجولة وحمّلها على الجمال
_________________
(١) قارن أ. ع ٤٤٨.
[ ٢٣٨ ]
وأرسلها إلى مصر، وزجّ بهم في السّجن المؤبّد. ومع أن السلطان انفعل بهذا الخبر لكنه استشهد بالمثل القائل «فيوم لنا ويوم علينا»، وقال إنّ استرجاع حرّان ليس بالأمر المهمّ، والرأي أن تنطلقوا لمحاصرة «آمد».
أجاب «كمال الدين كاميار» إن أمر السلطان سليم، وإن العساكر المنصورة لو قصدت قلاع الأفلاك لمرّغت أبراجها في التراب بغير عناء، ولكن لما كانت «آمد» مدينة لها قلعة هي جبل صلد، ولم يقيّض لأيّ سلطان سبق أن يفتحها، فهيهات هيهات أن تتمّ السّيطرة عليها، لكنّ أغلب الظنّ أنّها تفتح في ثلاث سنوات متتابعة بحيث يتمّ في السنة الأولى إحراق مزروعاتها، ونهب مواشيها وأسر رعاياها ومزارعيها ونكبهم. ولا يسمح لمدّة سنة أخرى أن يصل إليهم مدد يشكل مخزونا احتياطيّا لديهم. وفي السّنة الثّالثة يمكن أن يمسكوا بتلابيب الأمان ويسلّموا المدينة./ ونظرا لأنه أحجم بهذه العبارة عن محاصرة «آمد»، [فقد توقّف السلطان في الأمر] (^١).