انطلق الأمير «أسد الدين كندصطبل» - قائد جند ملطيّة- وفق الأمر المطاع بخمسة آلاف فارس وآلات الحصار صوب قلعة «جمشكزاك»، فرأى صخرة قد شمخت برأسها إلى السّماء، وبها غار هو من صنع الله، وأسفلها نهر جار لا يقم للنّيل وزنا ويحسب الفيل بعوضة، ومن هذه الناحية من النّهر مدينة أكثر منعة من القلاع الحصينة بل هي أكثر إحكاما وضخامة من القلاع [فنظر الأمير «كندصطبل» في تلك القلعة ثم قال لبقية القادة والمقدّمين] (^١):
ياله من موقع يهاب العقاب أن يحلّق فوقه، ويبدو من المحال أن يعثر فيه النّقّاب على موضع لثغرة، إنه موقع لا ينال بالحرب والجلاد، فإن دخل في أنشوطة المراد بالوعد والوعيد فهو المراد وإلا فلنجهد قدر الإمكان لعلّه يتيسّر بالتأييد الربّاني والإقبال السلطاني.
ثمّ إنه أرسل إليهم رسولا، لكي يفاتحهم في أمر «كاخته» وبأنه لا محيد عن استنزالهم بالقسر، وإهلاك نجدة جند الشام بالقهر، ويتلو عليهم التّعليمات الواجبة النّفاذ. فلما اقترب الرسول من القلعة ألقي عليه وابل من حجارة النّبل والسّهام فأخذ يناديهم قائلا: أنا رسول، قادم لمصلحتكم. فلم يعيروه التفاتا، واضطرّ للرّجوع. فقال الأمير: يجب علينا أن نفتح طريق الحرب طالما أنهم أغلقوا باب الكلام./ ثم أمر فنصبوا العرّادات ولبس الجند لأمة الحرب، وشرعوا في الزّحف بأعداد هائلة على البّوابة، وظلّوا من الفلق إلى الغسق منشغلين بضرب المنجنيق والسّهام والكرّ والفرّ، وانتهى الأمر بعودتهم إلى الخيام عاجزين مضطرّين. وطيلة أسبوع واصلوا اللّيل بالنّهار في قتال مستمرّ (^٢).
_________________
(١) إضافة لابد منها لكي يستقيم السياق، انظر أ. ع ٢٨٣.
(٢) راجع أ. ع، ص ٢٨٥، وعبارة الأصل مضطربة ركيكة.
[ ١٤٦ ]
وفي اليوم الثامن بدا لهم أن يلقوا فوق الغار بعشرة صناديق حديديّة بها عشرة من المقاتلين، لا يترك ضيقها لأحد منهم سبيلا حتى إلى التّفكير (^١)، فجعلوا بها ثقوبا تطلق منها السّهام، فأخذوا يرمونهم من سحاب القوس بوابل من السّهام كالمطر، وأخذ «كندصطبل» يدور حول نفسه لفرط العجز وانعدام الحيلة، ولم يكن يرى علاجا لهذا العناء.
وفجأة جاء شابّ حسن الطلعة وقال: بالأمس بينما كنت أصعد فوق هذا الجبل وجدت ثغرة في جنب غار القلعة، فلو مارس النقّابون عملهم هناك لتيسّر فتح القلعة في أقلّ مدة. فأمر الأمير بأن يتوجّه الجيش- كما جرت العادة- إلى المحاصرة، وانطلق هو بحصانه فارتقى المنطقة الصخرية، لكي يرى ما يحسن فعله لتدبير الأمر.
وحين رأى تلك الثغرة، أمر بأن يشرع خمسون نقّابا ممن عرفوا بالحميّة في إعمال الفأس، وأن يحدثوا ثلمة في السّور بضرب السواعد، فأصبح كل واحد من العمّال المهرة وكأنه «فرهاد» (^٢) لعذوبة كلام ذلك الأمير المخلص للسلطان، وما لبثوا في أقلّ مدّة أن أوقعوا الخلل في الحصن الحصين والقلعة الضخمة بضرباتهم القوّية المحكمة، وأحدثوا فتحة عريضة.
_________________
(١) قارن أ. ع، ٢٨٣.
(٢) حين وعد «فرهاد» بزواج محبوبته «شيرين» إن هو أتمّ حفر أخدود في الصّخر الصلد لكي يمر منه الماء إلى أعلى الجبل، شمّر عن ساعد الجدّ لإنجاز هذه المعجزة المعمارية الخارقة، لكنه حين أوشك على إتمام العمل تناهى إلى سمعه نبأ كاذب مفاده أن «شيرين» قد قضت نحبها، فألقى بنفسه من فوق الجبل منتحرا. وقد عرض لهذه القصة عدد من كبار شعراء الفرس كالفردوسي في «الشاهنامه»، ونظامي الكنجوي في «خسرو وشيرين».
[ ١٤٧ ]
ثم أمر بأن يمطر الجيش القلعة بوابل من السّهام، وأن تدلف فرقة من الشّجعان ضخام الأجسام- كبيزن- (^١) إلى تلك الفتحة، فينتزعون الفوز والظّفر من فم التنّين. فأجرى الشجعان المضحّون بأرواحهم/ نهرا من دماء سكّان القلعة في الغار، بينما أحال الجيش من الخارج النّهار ليلا أسود مفزعا على من بداخل القلعة بضرب السّهام. وبعد جهد جهيد تحوّلوا لعجزهم إلى المسكنة والتذلّل وطلب الأمان، فأرسلوا شخصا والتمسوا الأمان، فحقّق «كندصطبل» مأمولهم واستبدل الحفل بالحرب وفراغ البال بالجدال.
وفي اليوم التالي نزل سكّان القلعة بمتاعهم، ثم هبط مستحفظها كسيف البال قد انكسر جناحاه وأصبح ذليلا عاجزا وطلب العذر عن تماديه في التطاول.
وحملت الرّاية على شرفات القلعة، وبعد حمد الخالق وإهداء الصلوات لروضة السّيد المختار جهروا بالدعاء للمليك مع الغلمان من فوق سماء من الحجر مكينة في الأرض (^٢).
وكتب الأمير «كندصطبل» رسالة مشتملة على تفاصيل ما وقع من حكايات والتّهنئة بالفتح الثّاني الذي سنح بالفضل الربّاني وأرسلها إلى حضرة السلطنة. فأدّى السلطان الشكر على النّعمة الإلهيّة، وعيّن مستحفظا للقلعة، وضاعف ما بها من عدّة.
…
_________________
(١) بيزن: واحد من أبطال الفرس الأسطوريين القدماء.
(٢) يعني القلعة.
[ ١٤٨ ]