كان «سعد الدين كوبك» يريد أن يلقى في قلوب الشاميين الرعب والهلع بطريق الاقتدار وفتح الدّيار والأمصار، فدفع بجند بلاد الرّوم صوب ديار الشام، وحاصر سميساط، ولما لم يكن للملوك الموجودين بها قبل بالمقاومة طلبوا الأمان، وبعثوا برسالة إلى كوبك: «معلوم لدينا أنه لا قبل لأحد بالحرب والنّزاع مع دولة السلطان، وما كانت هذه المقاومة التي أبديناها خلال هذه الأيّام القليلة إلا من كدر أصاب حظّنا المشئوم. فلو أنّ ملك الأمراء أعطانا الأمان، وعهد إلينا بصليب الصّلبوت الذي كان- من قديم- بعهدة أجدادنا في هذه القلعة، وكان المسيحيون من الفرنجة والرّوس والنّصارى والكرج يأتون لزيارته (^١) [فيحصل لنا من ذلك من الفتوح ما نتبلّغ به برغم كثرة ما لنا من الأتباع والأشياع والأولاد والحفدة] (^٢)، ولم يتعرض أحد لأطفالنا وعيالنا؛ فإننا نسلّم القلعة.
فعدّ كوبك إجابة ملتمسهم أمرا لازما، ومنع الجيش من القتال، وكتب عهدا وأرسله. وفي الحال أخلى الملوك القلعة، وأنزلوا متاعهم، ورفعوا الرّاية
_________________
(١) قارن أ. ع ٤٧٦.
(٢) هذا نص عبارة أ. ع ٤٧٦، وعبارة الأصل مضطربة.
[ ٢٥٦ ]
عالية في يوم الجمعة سلخ ذي القعدة سنة ٦٣٥، وتمّ فتح سميساط وبضع قلاع/ أخرى في أقل مدّة، فتضاعف بذلك ما كان لكوبك من عظمة وهيبة.
وبرغم كل ما اشتمل عليه من خبث الطويّة وسوء العشرة مع الأكابر كان فريدا في الإحسان إلى الرعية وبسط العدل، وكان في السّخاء أكثر تدفقا من البحر، وأبلغ إدرارا من السّحاب، وبرغم كل ما انطوى عليه طبعه من تنمّر كان في خلوته بالنّدماء والحرفاء كالوردة الضحوك.
ومن بين عقوباته الغريبة أنه بينما كان في غزوة من الغزوات اقتحم جمل من حمولات الجند زراعة أحد الزرّاع، فجاء المزارع ينوح ويبكي على باب خيمة «كوبك»، فأمر في الحال بأن يأتوا بصاحب الجمل، وذلك بأن يمرّوا بالجمل على المعسكر بأكمله، فلم يجرؤ أحد على الإقرار بملكيّته للجمل.
ولما لم يظهر له صاحب أمر بتعليق الجمل على شجرة صفصاف كانت قد نمت على رأس ذلك الحقل. ومن ثمّ لم يكن أحد يجرؤ على أن يلتقط شيئا رآه ساقطا في الشارع، وكان يتمّ إبلاغ من عرف من الناس بجمع اللّقي والمفقودات بأن يحملوها إلى دهليز السلطنة، فإن كانت ثوبا أو ما في حكمه علّقت في حبال الخيمة وأطنابها، وإن كانت حيوانا تعهّدوه، وسار مناد ينادي في الجيش: ممن ضاع الشيء الفلاني؟ فكان الخصم يسمع، ويأتي ببّينة، ويأخذ الشيء في الحال.
[ ٢٥٧ ]