أسرّ الوشاة الأراذل والنمّامون الأشرار إلى «كوبك» أن «تاج الدين پروانه» لما وصل «آقشهر» ارتكب الفاحشة مع مطربة من مغنّيات ملك «خرتبرت» دون وجه من وجوه البيعة. وما إن سمع هذا الأمر حتى استفتى الأئمّة والقضاة:
ما تقولون في حدّ الزاني المحصن في الشرع سيمّا في بيت وليّ النعمة. فأفتوا بأنّ جزاء الزّاني المحصن هو الرّجم.
وفي وقت الخلوة بالسلطان أظهر «كوبك» تلك الفتاوى وقال له: لو تسامحتم فى هذا الأمر فسوف يتجرّأ الخدم ويطلقون أيديهم في أسر مخدوميهم.
وبتأثير سورة الخمر تعجّل السلطان في إنزال العقوبة بپروانه، وسلّم الخاتم لكي يقوم «كوبك» بتلقينه جزاءه وفقا للشرع، وتم توقيع الأمر بذلك.
فانتقل كوبك كأنه البرق المحرق والسيل المغرق إلى «أنكورية» في يومين، ونزل بها ومازال عليه غبار السفر بقصر السلطان، فاستدعى «تاج الدين پروانه» وأمراء المدينة وأئمتها، وأسمعهم صيغة/ الأمر. وأوثق قيده في الحال، واشتغل بضعة أيام في تتبع ما لپروانه من أموال وأسباب، فلمّا فرغ من ذلك أتى إلى
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٧٢.
[ ٢٥٤ ]
ميدان «أنكوريه» بذلك الأمير الوسيم الذي كانت الشّمس المنيرة تتوارى خلف حجاب السّحب غيرة من وجهه الأزهر، وكان عطارد يعضّ على أصابع النّدم لبراعته في الخطّ والبلاغة [فقد كانت له مشاركة كاملة في كل العلوم، وإن غلبت عليه العناية بعلوم الفقه والعربية] (^١)، ولم يكن لذي روح أن يتجاسر على أن يلقي بورقة ورد على صدره الشّبيه بالياسمين- فدفنه حتى صرّته، وأمر العوام قسرا برجمه بالحجارة وإرسال روحه الطيّبة العذبة إلى الفردوس الأعلى، ثم إنّه أتى بمجمل أمواله من نقود وعقود إلى الخزانة.
ولما أهدر «كوبك» دم هؤلاء الثلاثة (^٢)، ولم يعترض أحد أو ينكره عليه، بلغ أمره حّدا جعل قلوب أغلب الأمراء تدين بالولاء والانقياد له رغبا ورهبا. ولم تكتحل عيون العظماء بنوم هادئ خشية منه وخوفا.
كانت أمّه «شهناز خاتون» من بنات الأغنياء بمدينة «قونية»، وكان «غياث الدين كيخسرو» - والد علاء الدين كيقباد- مفتونا (^٣) بذؤابتيها المفتولتين، إذ كان قد وقع في حبّها لجمالها النّادر الذي تملّك الحزن «ليلى» بسبب روعته، فأضحت في حزنها كالمجنون. فجيء بها إلى السلطان خفية، ثمّ أعادوها معزّزة مكرّمة. ولم يكن لأحد علم بشيء من هذا، اللهم إلّا جدته.
فلما زفّت أمّه ونقلت إلى بيت أبيه كانت حاملا فيه لشهرين، وتحايلت فجعلت نفسها عذراء، ولفرط دهاء جدّته أظهرت أنّها حملت في ليلة الزفاف، «فلما انقضت سبعة أشهر ولدت». وهو يريد بهذا التّقرير المزوّر أن يدخل في روع الناس أنّه/ من أصل سلجوقيّ.
_________________
(١) أ. ع، ٤٧٦.
(٢) يعني شمس الدين ألتونبه، والملكة العادلية، وتاج الدين پروانه.
(٣) في الأصل: مغبون، ولعلها تصحيف: مفتون، الكلمة العربية. وقد أثبتناها.
[ ٢٥٥ ]
كذلك حمل السلطان بالتدليس والدّجل على أن يغيّر لون المظلّة الأسود إلى اللون الأزرق لكي يتناهى إلى علم حضرة الخلافة أن سلطان الرّوم قد شعر بالعار من شعار آل العباس، فأبعد شوب لونهم عن مظلّته، حتى إذا أصاب سهم مكيدته الهدف المطلوب بعد ذلك جعل هذا السبب عكّازا للاعتذار.