لما رجع الملك الكامل خاوي الوفاض من بلاد الرّوم سار إليه ملك خرتبرت لفرط عجزه، وكان قد تولّى بالولاء له وانخرط في زمرة المحبّين لدولته وقال:
لقد اكتسبت عداء السلطان بسبب مودّتي لكم، فيلزم من باب المروءة أن تكون صيانة ملكي في ذمتكم. فندب الملك الكامل كلا من ملك حماة وملك حمص والأمير شمس الدين صواب- وكان زعيم الدار [وخادم حرم الملك الكامل] (^١) والاعتماد كلّه على شجاعته- مع خمسة آلاف فارس للمحافظة على «خرتبرت».
وحين رجع الملك الكامل جاء السلطان إلى ملطيّة، واستدعى العساكر التي كانت قد توجّهت لحراسة الممرّات، وأمر بمدّ الجسور على نهر الفرات، وأن تعبر العساكر بأسرها. فلما بلغوا صحراء خرتبرت، كان ملوك الشام قد نزلوا تحت «العقبة» (^٢)، وأخذوا الأهبة للقتال، فشرع مبارز الدين جاولي وبهرامشاه الجاندار وياقوت ميرداد وسائر الشّخصيات الكبيرة في تعبئة الميمنة والميسرة، وتقابل الجانبان، واصطفا صفوفا حتى انتصف النهار ولم تصدر عن الطّرفين حركة- لأنهم كانوا/ ينتظرون الأمير كمال الدين.
وكان قد نما إلى سمع الأمير كمال الدين أن ملوك الشام يزمعون التحرك
_________________
(١) إضافة من أ. ع، ٤٤٠.
(٢) العقبة: المرقى الصعب في الجبل.
[ ٢٣٢ ]
للقتال عن طريق «البيرة»، فوجّه الجيش صوب ذلك الطّريق على سبيل الاحتياط. فلما وصل إلى هناك ولم ير أحدا انصرف إلى خرتبرت [وظل الأمير «مبارز الدين جاولي چاشني كير» و«شمس الدين ألتونبه چاشني كير» يتريثان ويتابطآن حتى تلحق بهما بقيّة العساكر] (^١)، وأرسلا إلى [كمال الدين] رسولا فتباطأ ولم يتعجّل، فلما رأى الرّسول أنه سوف يحدث تهاون في الإمداد، صاح في الجند بأن عساكر الشام قد ولّت الفرار، وأن عساكر الروم التي كانت في مواجهتها قد نالت ما لا حصر له من الغنائم. وبهذا الإطماع انضمّ خمسة آلاف فارس بكل من «چاولي چاشني گير» و«ألتونبه چاشني گير».
ولما رأت العساكر المصطّفة أن جندا قد وصلوا لمددهم هجموا، فردّ الشاميون هجومهم. فهجم عليهم «تاج الدين پروانه ابن القاضي شرف» مع عساكر «نكيدة»، وجاء «سعد الدين كوبك» من الميسرة إلى الميمنة، فألحقا بجند الشام هزيمة كاملة، وقتلت من الشاميين مقتلة عظيمة، ولم يقتل أحد في الحرب من هذا الجانب إلا أحد الفرنج، وأسروا سبعمائة من جند الشام وأرسلوهم إلى دهليز الفاتح. ثم إن الشاميين نزلوا وسط عقبة خرتبرت، وعاد الروم إلى مضارب الخيام.
وفي اليوم التّالي وصل «كمال الدين كاميار» بجيش جرّار، فلما شاهد جند الشام من فوق العقبة عقاب مظلّة الفاتح، تدافعوا في هلع وذهول حتى دخلوا قلعة «خرتبرت» فدخل جند الرّوم المدينة بتؤدة، وبالغوا في النّهب وحرق الديار، وخرق الأستار/. وكان السلطان قد بقي في ملطيّة في انتظار من يبشره بالفتح.
_________________
(١) إضافة من أ. ع، أيضا.
[ ٢٣٣ ]