حين سمع الملك علاء الدين كيقباد بخبر وفاة أبيه، دعا إليه مغيث الدين طغرلشاه ملك «أرزن الروم» - وكان عمّه وبينهما صلة نسب- كما أرسل الرّسل إلى «ليفون تكفور» واختار له «قيصريّة»، وسلك «ظهير الدين إيلي» بالوعود الجميلة في سلك مؤيّديه، واجتمع له من كل صوب جيش حاشد، واتّجه صوب قيصريّة، وثبت لمحاصرة أخيه، وانقضت مدّة طويلة في تلك المحاصرة، وهلك أمراء مشهورون من الجانبين/ وتسّرب العجز والاضطرار لأهل القلعة، واستولى الملل على المزاج اللطيف للسلطان.
وبمقتضى ما كان قد جرى في السابق من عهود بين السلطان وظهير الدين [پروانه]، وما أبداه من عناية بالغة في حقه، وما كان يشهده من حال يخالف الآمال، ويرى جفاء محل الوفاء، كتب هذا «الدوبيت» - من إملاء قريحته الشعرية الموزونة- على ورقة الشكوى، وأرسل بها في الخارج عند پروانه، (شعر):
أنا شمع، ذهب جسدي بسرّ القلب … ما افترّ ثغري، ليلة، إلّا عن بكاء
پروانه الذى قال: ما أنا لك إلّا رفيق الغار … حتى هو، رضي بضرب عنقي
واستدعى [السلطان] «مبارز الدين جاولى چاشنگير» (^١) - و«زين
_________________
(١) «الچاشنكيرية: وموضوعها التحدث في أمر السّماط مع الأستادار [يعني المشرف على شؤون بيوت السلطان]. ويقف على السّماط … إلخ» (صبح الأعشى ٤: ٢١).
[ ٥٠ ]
الدين بشارة» أمير آخور (^١) «ومبارز الدين بهرامشاه» أمير المجلس، وكانوا يلازمونه في «ملطية» - وقال: يتراءى لي أن نفتح باب المدينة في منتصف اللّيل، وندفع بكل قوّتنا إلى الخارج مهاجمين ونلقي بأنفسنا إلى «قونية»، فندخل الصّيد المنشود إلى الشّباك بدعم من أمراء وعساكر «الأوج».
وحين نما هذا الأمر إلى علم جلال الدين قيصر، وكان حاكم قيصرية وشحنتها وكان موضع ثقة السلطان الشّهيد وإعزازه لما كان يتمتّع به من دهاء وذكاء شديدين، أبدى تعلّة، وذهب إلى حضرة السلطان حين أقبل الليل، وطلب الخلوة، ثم قال: سمع الخادم أن مثل تلك الفكرة غير الصّائبة قد عرضت بخاطر ملك العالم، ويتعيّن ألا تعودوا لذكر مثل هذه الفكرة المفضية إلى انعدام الصّلاح وفقدان الفلاح. وقد راودت خادمكم هذا فكرة لو تم تنفيذها لانحلت العقدة على النحو المطلوب. فسأل السلطان: وما هي الفكرة؟
قال: لو أتعب السلطان نفسه واتجه إلى الحريم السلطاني/ وأتى لي خفية بحلية ثمينة من حلي النساء لكي أضعها الليلة حيث يتيسّر بها المطلوب.
فدخل السلطان الحريم، وأخذ من أخته شقّة مما تضعه النسوة على رؤوسهن يقدر ثمنها بإثني عشر ألف دينار ذهبي. وأعطاها لجلال الدين قيصر.
فخرج من المدينة في جنح الليل ومعه أحد الغلمان، وقال لحارس الباب: ترقّب عودتي، فإن سمعت صوتي افتح الباب. وانطلق إلى المعسكر الذي تعسكر فيه قوات ليفون، بحكم ما كان بينهما من صداقة.
وحين بلغ طليعة جيش ليفون قال: أبلغوا تكور أن جلال الدين قيصر
_________________
(١) «إمرة أخورية: موضوعها التحدث على اصطبل السلطان وخيوله ..» (صبح الأعشى، أيضا: ١٨).
[ ٥١ ]
شحنة «قيصرية» يطلب الإذن باللّقاء. فأبلغوه في الحال، فقابله «تكور» وبالغ في تعظيمه. قال جلال الدين إن عندي لك أمرا دقيقا جللا، أعرضه عليك إن خلا المكان. فأمر تكور بإخراج جملة الخدم من الخيام.
قال جلال الدين: معلوم لتكور أن لا شركة له بأي وجه من الوجوه في ملك السلاجقة، فلا يلزمه أن يتعب نفسه، ويصبح شباكا لصيد يصيده غيره.
فإذا كان الملك هو مغيث الدين (^١) ويطلب ملك أخيه، ويريد الملك علاء الدين أن يحل محلّ أبيه، فلست أدري ما شأن تكور؟. إن الخادم من فرط محبّته للمصلحة يرى أن ينأى بنفسه عن هذه الورطة غير المفيدة، ويعمد إلى الحفاظ على ملكه وحكمه. ثم قدم له تلك الشّقّة المرصعة بالجواهر، وقال: هذه ثمنها اثنا عشر ألف دينار مصري أقدمها لك فداء لكي تجعلنا آمنين من بأسك.
فإذا ما ارتحل جيشك، فإنني أتعهد إن استقر الملك/ للسلطان عزّ الدين كيكاوس بأن يرسل اثني عشر ألف مدّ من الغلال بصفة مخزون احتياطي لقلاع الأرمن، ويتعّهد السلطان أن لا يلحق بملك تكور أذى بأي وجه من الوجوه طيلة مدّة سلطنته طالما ظلّ تكور وفّيا لعهوده، وأن تتدعّم الصداقة بتجدّد الأيام.
وحين سمع «تكور» هذا الكلام ورأى تلك التّحفة المرصّعة بالجواهر قبل النصائح المعقولة، وقال: إنما يطمئنّ بالي حين يذهب أحد الأمناء عندي إلى السلطان فيحلف على ما قلت برمّته، ويكتب ميثاقا. [قال جلال الدين يتعين
_________________
(١) يريد به مغيث الدين طغر شاه بن قلج ارسلان، عم السلطان عز الدين كيكاوس، وكان ملكا لمنطقة «آبلستان» حتى سنة ٥٩٧، ثم تولى ملك «أرزن الروم» وعزل عنها لتواطئه مع عداء ادين كيقباد ضد السلطان عز الدين. وتوفى سنة ٦٢٢، انظر ما سلف، ص ٥، ٢٥، ٥٠ وانظر أيضا: زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى، الترجمة العربية، طبع مصر، ١٩٥١ م، ج ٢
[ ٥٢ ]
أولا على تكور أن يعهد عهدا ويكتب ميثاقا] (^١) ويرسله على يد رسوله في صحبتي. ففعل تكور مثل ما قال. وولّى جلال الدين وجهه صوب المدينة يرافقه رسول تكور.
فلما وصل إلى حضرة السلطان، بشّر السلطان بحصول المقصود، وأذن السلطان لرسول تكور بتقبيل يده، فقصّ عليه ما جرى. فأخذ السلطان القلم بيده وخط بالخط الأشرف ميثاقا، وصرف الرسول في جنح الليل. ولما رأى تكور الوثيقة وأبلغه الرسول بمشافهات السلطان، أمر قادة خدمه وحشمه بإعداد العدة للرحيل خفية دون ضجيج، حتى إذا ما تجاوزوا حدود «دولو» عند الغسق وضعوا الأحمال على الإبل وانطلقو بأجمعهم منصرفين، وعند انبلاج الصبح كانوا قد لحقوا بتخوم الأرمن.
وفي صباح اليوم نفسه أبلغ مغيث الدين طغرلشاه وعلاء الدين كيقباد أن معسكر تكور قد خلا من الخيام «كدار ما بها أدم»، فذهب التفكير بكل واحد منهم مذهبا من هذا الحدث العجيب، وخاف بعضهم بعضا- كالذئاب- فتفرقوا أيدي سبا بحيلة جلال الدين قيصر الثعلبية الماكرة. وظنّ الملك علاء الدين أن تلك الطوائف قد اتفقت مع أخيه قلبا وقالبا وأنهم يريدون أن يزجّوا به في قيد عقال أخيه أسيرا. وقال مغيث الدين: سوف يفتك بي إخوة [السلطان] بسبب ملك أرزن الروم (^٢)./ وفي اللّيلة التّالية سلك بدوره طريق الانهزام على مناكب الظّلام.
وارتفعت أصوات الطّبول من المدينة برحيل خيل المحاصرين، ولما لم تكن بالملك علاء الدين قدرة على المقاومة سلك طريق «أنكورية» واستولى عليها، واستظهر بما تتمتّع به من مناعة وحصانة.
_________________
(١) ناقص من الأصل، والإكمال من أ. ع، ص ١١٧.
(٢) قارن أ. ع، ص ١١٨.
[ ٥٣ ]
وأعطى السلطان عزّ الدين «الحجوبية» (^١) لجلال الدين قيصر، ووهب المدن الواحدة تلو الأخرى لخادم من خواصّه: «نكيدة» لزين الدين بشارة، و«ملطية» لحسام الدين يوسف، و«آبلستان» لمبارز الدين جاولي.
وفارق «ظهير الدين إيلي پروانه» الملك علاء الدين، ولحق بنكيدة، فلم يستطع البقاء فيها بسبب مضايقة الأوباش والسّفلة، ومن ثمّ لجأ إلى قلعة «لولو»، فلم يطق البقاء هناك أيضا، فتوجه إلى الشام عن طريق «سيس»، فلما وصل إلى «تلباشر» اعتلّت صحته، ولم يلبث بعد بضعة أيام أن لفظ أنفاسه، فدفنوه هناك.
ثم إن زين الدين بشارة- آمير آخور- عزم على التوجه إلى نكيده، واستمال الأهالي والأعيان بفنون الإحسان، وأرسل إلى ليفون رسلا، وأبلغه باستقرار أمر السلطنة للسلطان عزّ الدين. فأرسل ليفون الردّ مشفوعا بالهدايا.
وولى السلطان وجهه شطر «آقسرا»، ومن هناك توجه إلى «قونية»، وخرج أعيان المدينة لاستقباله حتى منزل «أبروق»، وأدخلوا السلطان المدينة بكل إجلال وتكريم، وأجلسوه على العرش، وقدّموا مائة ألف درهم وخمسة آلاف دينار أحمر رسما لحقّ القدوم. وحلفوا جميعا على الولاء للسلطان، فجدّد السلطان لهم ما بيدهم من وثائق الأملاك، والإقطاعات، وأطلق سراح المسجونين، وارتقى القلّة الفارعة للمعالي بعد الفراغ من الأفكار.
_________________
(١) في الأصل: پروانكى: ويرى الدكتور محمد جواد مشكور أن مفردها: پروانه، يعادل منصب الصّدر الأعظم. انظر: مقدمه بر أخبار سلاجقه روم، صد وشصت ويك. على أنّ الأصل الذي بين أيدينا، و«الأوامر العلائية» لابن البيبي ينسبان الكلمة إلى «الحجوبية» انظر ما وصفا به «معين الدين سليمان پروانه» ب «ملك الحجاب»، ص ٣٤٦ من هذا الكتاب؛ وانظر في مهامّ منصب الحجوبيّة: صبح الأعشى: ٤: ١٩.
[ ٥٤ ]