حين انتقل السلطان عزّ الدين في الرّابع من شوّال سنة ٦١٧ إلى الخلد الأعلى أخفى أمراء الدولة- كالأمير «سيف الدين آينه» و«شرف الدين محمد پروانه» و«مبارز الدين جاولي» و«ومبارز الدين بهرامشاه» موت السلطان، واستشارو الصاحب (^١) مجد الدين بكر- الذي لم يكن له نظير في هذا العالم- ومن أشهر ما قاله من شعر في ضرب «الدوبيت» قوله (شعر):
- قانون الوفاء أساس الظلم … إذ كيف تتيسر الحريّة لمن يعبدك
كيف تستقيم السعادة مع الوقوع في الحزن بسببك … فبك بطلت إقامة الأوثان
«وشمس الدين حمزة بن المؤيد الطغرائى» وكان بكر عطارد ونادرة الأيّام، قد وصل في أساليب الترسّل وقرض الشّعر إلى ميدان شاسع بل تجاوز الفلك التّاسع، ومن محامد ما يحكى عن طبعه اللّطيف هذا الدّوبيت، (شعر):
- ورد الدّرج الزمرّدي قد فتح اليوم … والطبق الذّهبي للشقائق الحمراء قد وضع اليوم
_________________
(١) سرى لقب الصّاحب على الوزراء المدنيّيين في عصر الأيوبيين والمماليك، راجع كتاب الألقاب الإسلامية في التّاريخ والوثائق والآثار، للدكتور حسن الباشا، طبع مصر ١٩٨٩، ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
[ ١٠٠ ]
- أمن أجل أن الورد لم يتولّ إمارة الرياحين … قد عرض اليوم- على نحو ما- مائة ورقة؟!
وملك السادة «نظام الدين أحمد» أمير العارض المعروف بابن محمود الوزير، وكان تلوا للفردوسي (^١) في نظم المثنويات، ومن نتاج طبعه، (شعر):
قلت: لم يعد بالوسع الخزن على طرّتك … وليس بالإمكان تجرّع المزيد من مسك الكبد (حزنا)،
قالت: لا تحزن كذلك بسبب عيني وشفتي … فليس بالوسع في النهاية تناول النّقل والسّكر
والصّاحب «شمس الدين الإصفهاني» الذي كان في ذلك الوقت الكاتب الخاصّ، وقال هذا الدّوبيت على البديهة باقتراح السلطان (شعر):
- نقل الليل معك يا راحة القلب … لا يمكن وصفه من فرط اللطف
/ الشفة على الشفة والخد على الخدّ، … وهنالك تطبعت «لورا» بطبع «سوراخان».
فلما وصل السلطان إلى هذين الموضعين وهو في طريقه إلى «آقسرا» قرّبه
_________________
(١) يعني به الشاعر الفارسي أبا القاسم الفردوسي الطوسي (٣٢٩ - ٤١١ هـ)، صاحب «الشاهنامه»، وقد نظمها على نظام «المزدوج» الذي يعرف عند الفرس باسم «المثنوي»، وتكون القافية فيه بين جزئي البيت الواحد ثم تتغيّر بعد ذلك بتغيّر الأبيات.
[ ١٠١ ]
إليه، وشرّفه بأن أضاف إليه المطبخ والإنشاء الخاصّ.
تشاور هؤلاء سويّا في من يجلسونه على العرش، فأشارت جماعة إلى «مغيث الدين طغرلشاه بن قلج أرسلان» صاحب أرزن الروم، وكان ملكا متمكّنا محبّا للرعيّة، بينما أصرّ البعض على تولية «كي فريدون» الأخ الأصغر للسلطان، وكان مقبوضا عليه بقلعة «قويلو».
قال الأمير مبارز الدين بهرامشاه- أمير المجلس، وسيف الدين آينه- ملك الأمراء- لا يجوز ذكر شخص آخر مع وجود الملك علاء الدين، فهو المناسب للتّاج والخاتم. قال الصاحب مجد الدين وشرف الدين محمد پروانه: كنا في «توقات» ملازمين له، وهو حقود متكبّر وجسور متنمّر. وسوف ينزل- من الآن فصاعدا- بكل شخص من الضربات ما لا يندمل بمرهم. فلم يلتفت إليهما الأمراء، وقالوا ليس بالإمكان طلب المزيد فوق الملك علاء الدين كيقباد.
فوافق الأمراء الآخرون طوعا وكرها، وتعاهدوا سويّا على تنصيب الملك علاء الدين سلطانا.
وهنا قال سيف الدين آينه: أما وأني أنا الذي حملت الملك من «أنكورية» إلى «ملطية»، فلا بد وأن يكون قد علق بخاطره غبار من ناحيتي، [فلتأذنوا لي] (^١) بأن أذهب بنفسي إليه وأنال منه الأمان على حياتي. وحمل مما تركه السلطان المرحوم خاتما وعمامة كبرهان ودليل، واختار جماعة من الجند توسّم فيهم خفّة الحركة والسّرعة، وانصرف مع عدد/ من خواصّ البيت وبطانة الأعتاب السلطانية متّجها صوب ملطيّة قاصدا قلعة «كندپيرت» - السجن الثاني
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٢٠٦.
[ ١٠٢ ]
للسلطان. وخرجوا من المدينة بعد صلاة العشاء، وظلوا يركضون بخيولهم طول الليل، فوصلوا مع الصباح إلى القلعة.
كان السلطان قد جلس بعد أن أقام الصّلاة، وقد رأى تلك اللّيلة في المنام أنه جاءه رجل نوراني ذو منظر رحماني، ففك القيد من قدمه، وأمر بإحضار بغلة ذات هيكل ضخم، ثم وضع يده تحت إبط السلطان وأجلسه فوق البغلة وقال: إن همّة محبّة «عمر بن محمد السّهروردي» مع السلطان «علاء الدين كيقباد» على الدوام.
ورغم أن السلطان كان قد رأى هذا المنام وأخذ يفسّره بينه وبين نفسه، غير أنه ما إن رأى ذلك الفوج حتى استبد به الخوف والفزع، وقال لحافظ القلعة:
حاول أن تؤخّر هؤلاء حتى أجدّد غسلي وأتوضّأ، وأخلو لحظة إلى نفسي، وأصلي ركعتين استعدادا لوداع الحياة. ولم يكد الحافظ يصل إلى البوّابة حتى كان «چاشني گير» قد بلغ الباب، فسأله الحافظ ما سبب قدوم ملك الأمراء؟
قال (بيت):
- تمّ الوفاء بما كان القدر به يعد، … وتمّ ما كانت الأيّام تبغي من عمل
فأراه عمامة وخاتما للسلطان المرحوم كانا قد صبغا باللون الأسود (^١)، ففتح الحافظ الباب ودخل «چاشني گير» مع أحد الغلمان، وأخذ السّيف من الغلام وسلّمه بغمده للحافظ، ثم انطلق كلاهما إلى المجلس الذي كان السلطان محبوسا فيه، فدخل الحافظ في البداية، وقدّم العزاء، وطلب الإذن بدخول
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٠٦.
[ ١٠٣ ]
سيف الدين، وما إن وقع نظر سيف الدين على/ محيّا السلطان المبارك حتى وضع رأسه على الأرض وأجرى الدمع من العين، ثم أخرج الكفن من تحت إبطه وعقده على رقبته، وأخذ السّيف من الحافظ ووضعه أمام السلطان، وقال:
أنا راض بكل ما يحكم به المليك عليّ اليوم.
كان قلب الملك موزّعا، فلما سمع هذه الكلمات اطمأن قليلا، وشرع في إبداء الاعتذار، ووعد بخير. قال الأمير سيف الدين: إن كان المليك صادقا فيما يقول فلينطق بالقسم وليصبح الخطّ الأشرف مسطورا بنفس المعنى. فأقسم السلطان تحت إلحاحه، وخطّ كتاب الأمان بالخطّ المبارك للسلطان، غير أن الأمير سيف الدين لم يقتصر على ذلك وإنما أخرج مصحفا كان في الحمائل من غلافه ووضعه أمام السلطان وقال: إن خط اليد الأشرف هو بالقطع سبب أمن العالمين وأمانهم، غير أنكم لن تضنّوا علي بتأكيده بكلام الله المجيد، فأقسم الملك ثانية.
فلما وثق «چاشني گير» بتلك العهود أطلق لسانه قائلا «أطال الله عمر الملك، انتقلت روح أخيك من عالم التّراب إلى ذروة الأفلاك، وبذلك تؤول المملكة والسلطنة إليك، وينطق العرش والخاتم بقول الحق تعالى: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (^١) والمأمول في مكارم رفعة العاهل المعظّم أن يدخل القدم في ركاب دابّة تنهب الأرض نهبا فيزيّن عرش السلطنة».
وحين بلغ تخمين السلطان مبلغ اليقين، صلّى ركعتين شكرا لله، تلا فيهما بصوت عال قول الله ﷿: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ (^٢)، وانفصل
_________________
(١) سورة يوسف: ٥٤.
(٢) تضمين من سورة يوسف: ١٠١.
[ ١٠٤ ]
عن السجن مولّيا وجهه شطر الإيوان والعشّ كما ينفصل القمر عن الغمام والسّيف عن الغمد.
وقدّم أمير «الآخور» (^١) - وكان يسمى «أغلبك» - بغلة سريعة السير على شاكلة تلك التي كان السلطان قد رآها في المنام وقال: «اركبوا» (^٢) فركبها ومضى يسابق ريح الصّبا، ويطوي المنازل منزلا بعد منزل، وظلوا ساهرين إلى أن بلغوا بوّابة المدينة عند السّحر.
ظلّ أمير المجلس يجول راكبا طوال الليل في القلعة، ويوهم الناس بأن السلطان سليم معافى. وكان قد ندب خمسين غلاما للوقوف على باب المدينة وأمرهم بأن يخبروه بوصول «أغلبك». فلما صاح «أغلبك» مناديا، سارع أمير المجلس وفتح باب المدينة وما إن وقع بصره على السلطان حتى قبّل الأرض والرّكاب. وتوجه أمير المجلس و«چاشني گير» في خدمته نحو تابوت أخيه، وفتحوا التّابوت فرأى وجه أخيه. ثم أجلسوه على العرش، ودعوا القاضي والأئمّة والوجهاء للحضور إلى الدّيوان، ولم يكن لأحد علم بما يجري.
وحين استوى السلطان على العرش، ومثل القادة والبواسل كلّ في مكانه، خرج سيف الدين من عند السلطان إلى الدّهليز، وقال: «ليكن معلوما للأئمة والأكابر أن السلطان «عز الدين كيكاوس» قد أصبح مستغرقا في قاموس رحمة الحق (تعالى) ونزل في تابوت «فيه سكينة من ربكم» (^٣)، وقد زين أخوه السلطان المعظم «علاء الدين كيقباد» العالم بجلاله الباعث على السعادة،
_________________
(١) انظر فيما سبق ص.
(٢) تضمين من سورة هود: ٤١.
(٣) تضمين من سورة البقرة: ٢٤٨. (١) قارن أ. ع، ص ٢٠٩.
[ ١٠٥ ]
وأضفى على كرسي المملكة هيبة مستمدّة من العرش المجيد».
ثم إنّهم رفعوا الحجب، ودخل كلّ الأئمة والأعيان، وقبّلوا الأرض بالولاء.
وكان الأمير «چاشني گير» يأخذ كل واحد من اليد/ ثم دخلوا المسجد، وتلوا القسم- والقاضي يلقّنهم- باسم السلطان علاء الدين. ولبس السلطان الأطلس الأبيض برسم العزاء. ثم أعلنوا الحداد- أسفا ولهفا- ثلاثة أيام.
وفي اليوم الرابع أمر السلطان فاستبدلوا الكأس باللباس، وخلع على الأمراء خلعا وافرة، ومنح مناشير الإمارات والمناصب والاقطاعات، ثم عزم على الرّحيل إلى العاصمة «قونية».
***
[ ١٠٦ ]