حين حلّ موسم الربيع، واتّجه السلطان من مصيف أنطالية إلى قيصرية أمر بإطلاق سراح «عزّ الدين بن البدر» ومن معه، وكان قد أوقع به في حرب حصن «كاخته» وجرى أسره، وظلّ محبوسا بقلعة قيصريّة. وقد خلع السلطان عليه خلعة ملكيّة، وأذن له بالتوجّه نحو الشّام بكل إكرام واحترام.
وذات يوم في أثناء/ [النظر في المهام] والتدابير، قال السلطان لسيف الدين النّائب ابن حقّه باز: يبدو لي أن مصاهرة أبناء العادل من شأنها أن تعمل على استحكام دعائم التّوفيق، فبذلك يزداد رونق السلطنة. فتكفّل سيف الدين- بعد أن استصوب رأي العاهل- بإنجاز تلك المهمة، وتوجّه إلى ديار الشام بخزانة كاملة، فلمّا بلغ «ملطيّة» توفي لمرض عرض لجوهر بدنه. فانتدب السلطان «شمس الدين ألتونبه جاشني گير» بدلا منه، فلمّا لحق شمس الدين بملطيّة نقل الأمتعة والخزانة إلى بيته، ثم انطلق بعد أخذ الأهبة والاستعداد.
وكان «عزّ الدين بن البدر» قد أخبر ملوك الشام بمقدم رسول [من قبل السلطان، شاكرا ما حظي به هو من أيادي السلطان وإنعامه، فأزال كل شائبة علقت بنفس أولاد العادل] (^١). فعدّوا الحفاوة بمقدم الرسول على أفضل نحو أمرا واجبا، وبلغوا المرتبة القصوى والدرجة العليا في توقيره وإجلال شأنه.
وفي اليوم التّالي بادر أبناء العادل- وكانوا ملوك الشام وأطراف الأرمن وديار بكر، كالملك المعظّم والملك الأشرف والملك الغازي (^٢) والملك فخر
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٩٥.
(٢) انظر ما سلف، ص ١١، هامش ١.
[ ١٥٠ ]
الدين (^١) - فاستدعوا القاضي بدار السعادة «دمشق»، وأتوا بالأمير «شمس الدين» فرتّب الأمير شمس الدين التّحف والأمتعة التي كان قد جلبها معه ووضع الجواهر والمرصّعات على أطباق فضية وذهبية.
ثم إنّهم أبقوا على شمس الدين ألتونبه هناك حتى يفرغوا من ترتيب الأسباب لسفر هودج العروّس، فكتب رسالة في هذا الصدد/ إلى السلطان مشتملة على أن إنجاز الأمور ومدار الأفلاك قد وافقا مراد العاهل، وعرض أنّ ركاب السلطان لو نهض إلى ملطيّة لكان ذلك نوعا من تكريم الملوك وإعزازهم.
وبمطالعة الرّسالة ظهرت على السلطان آثار السّرور في أسارير مملوءة بالنّور، وصدر الأمر للأمراء بأسرهم: إن لموكب السلطان عزما على التوجّه إلى ملطيّة فيتعيّن على الجميع التوجّه إليها دون توقف. ونهض هو نفسه بطالع السّعد.
وفي الطريق طلعت الخراريج والدمامل على رقبة السلطان فأخذ يعاني ويتألّم ألما عظيما. فلمّا لحق بملطيّة كان هودج العروس قد وصل قبل يومين أو ثلاثة، وجاء أمراء الشام الكبار في خدمته. فاستقبلهم الأمير «كندصطبل» و«شمس الدين ألتونبه» وقصّا عليهم ما حدث من أحوال وحكايات. وقد أثنى السلطان على ما يتّصفان به من كمال الحصافة وتمام النّباهة.
وفي تلك الأثناء أثّرت الآلام العظيمة في بدن السلطان، فقال الأطباء
_________________
(١) كذا في الأصل، وأيضا في أ. ع، ص ٢٩٥: فخر الدين. ولعلّ المؤلف يريد به الملك فخر الملة محمدا ابن الملك العادل. وفخر الملة هو نفسه الملك الكامل محمد الذى تولى ملك الديار المصرية. (راجع فهارس تحقيق الجزء الثاني من كتاب، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب لابن واصل، ص ٤١١، تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال، طبع مصر ١٩٦٠).
[ ١٥١ ]