كان السلطان عز الدين امبراطورا سخاؤه كقطر السحاب بلا حساب، ودهاؤه- كطلعة المشتري- يتألق في قلب اللّيل البهيم، قامته تحسدها أشجار السرو النامية على حافة الغدير، وخدّه تغار منه محاسن طراز الربيع (^١)، قوسه كاستدارة حواجب الأحبّة مهلكة للروح، وسهمه كدعاء المظلومين يعلو على الأفلاك ويتولدّ عنه الضرر، عقله كدين الإسلام كامل، وعدله كظل الغمام على الخاصّ والعامّ هاطل، كان يعتقد أن إجزال العطاء على القريض من الفرائض، وكان يبلغ في صلاته للشّعراء أقصى الغايات، بعثت إليه ابنة حسام الدين سالار من «الموصل» بقصيدة تشتمل على اثنتين وسبعين بيتا فأنعم عليها بمائة دينار أحمر في مقابل كل بيت، ورفع الصدر نظام الدين أحمد أرزنجاني من مرتبة الإنشاء إلى مرتبة عارض بلاد الرّوم بالقصيدة التي كان قد قالها في جواب «شمس طبسي» وأنشدها في المحفل.
لبس لباس الفتوّة من حضرة الخليفة الناصر لدين الله، وشرب كأس المروءة من حانة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (^٢).
حين بلغ خبر جلوسه على العرش سمع «لشكرى» فكّر مع مستشاريه على أي وجه يبادر بمراسلة السلطان عزّ الدين، وكيف يمكن العذر عن ذلك الغدر- وإن لم يكن رضاه مقرونا به. قال بعضهم (^٣) إن مقتضى الحزم أن تطلق «آينه
_________________
(١) كذا في الأصل: طراز بهار، وطراز كلمة فارسية معرّبة، ومعناها الشكل، الهيئة.
(٢) آل عمران- آية ٣١.
(٣) قارن أ. ع، ص ١٢٩.
[ ٥٥ ]
چاشنى كير» من وثاق الأسر، وتصرفه بتحف مدهشة وهدايا منتقاة في صحبة رسلك- إلى عبودية بلاط السلطنة كي/ يتوسّط في رفع غبار الوحشة ورتق خرق العداء، فما هو إلا من بطانة الدّار وخواصّ العشّ، فكلمات اعتذاره- ولو كانت بدون عرض (^١) توشك أن تكون سهما يصيب الغرض. ثم يجب بعد ذلك الاشتغال بجمع الرجال وتهيئة أسباب القتال. فإن انفتح طريق الصّلح بهذه الوسائل فهو المراد، أما إن دخلوا من طريق المشاحنة والمخاشنة ووضعوا أساس المحاربة نكون قد فرغنا من تناول الأسباب وأخذنا الأهبة والاستعداد.
استصوب «فاسليوس» هذا الرّأى وبعث هدايا لا نهاية لها من كلّ نوع في صحبة سفير كان موسوما في بلاد الرّوم بفصل الخطاب والكلمات العذاب، وعدّ استمالة جانب سيف الدين آينه- بكل ما يدخل في حدّ الإمكان- أمرا ضروريا لازما، حتى صقل مرآة ضميره تماما من صدأ الدّخل (^٢) والتزم بإتمام مهامّ المصالحة، وتوجّه مع الرّسل لحضرة السلطان.
وحين بلغوا حدود البلاد بادر الأمير سيف الدين في التوجّه إلى البلاط قبل الآخرين، ونال شرف تقبيل اليد، وأعلن عن وصول الرسل وخلاصة الرسالة، ومحا الغبار الذى كان قد علق بأطراف خاطر السلطان بكمّ رداء الاستعطاف، وابتغى مراضي السلطنة في العفو عن جرائم الماضي، فأقلع السلطان عن الضّغن والانتقام، وعزا مصيبة أبيه إلى القضاء والقدر، وأمر بأن يؤذن للرسل في المثول بين يديه في مجلس عام. فأبلغوا الرّسائل والمشافهات، وعرضوا التّحف والطّرف، فاقترنت الرسائل بالمحمدة والرضا، وأمر بالحفل والطرب، [ودعا
_________________
(١) عرض، كذا في الأصل، كلمة عربية، والعرض المتاع.
(٢) في الأصل: دخلت، والدّخل: المكر والخديعة.
[ ٥٦ ]
الرسل فجيء بهم إلى مجلس الأنس] (^١).
وفي اليوم التالي سمح لهم بالمثول بين يدى السلطان في خلوة (^٢)، فأقسموا له على رضاء ملك الروم فأمر بأن يجهزوا من الخزانة أضعاف ما كان قد أرسله [فاسليوس] وكلفّ الأمير سيف الدين ثانية بتلك الرسالة كي يعود ويسلّم المهمّات ويحضر طلل/ السلطان الشّهيد إلى العاصمة.
فانصرف الأمير سيف الدين وبصحبته الرّسل والتّحف، فلما اقتربوا خرج ملك الروم لاستقبالهم، وبالغ في توقير الأمير، وأقسم- بموجب المسوّدة التي كانت قد ابيضّت بحضرة السلطان.
وأعد في الكرّة الأخرى أضعاف ما كان قد أرسله في المرّة الأولى، وأرسل عشرين ألف دينار صدقة يتم توزيعها عند دفن السلطان [الشّهيد]، كما بعث بجثّة السلطان مع جند كثيرين إلى حدود بلاده. فعاد الأمير «سيف الدين آينه» والرسل والتحقوا بخدمة البلاط وعرضوا ما حدث، فعمر الجانبان بوفور السرور والحبور.
وحين أتوا بجثّة السلطان إلى قونية ودفنوه بجنب جده وأبيه وأخيه، ذهب السلطان لزيارة السلاطين، وضمّ ثلاثين ألفا إلى ما كان ملك الروم قد أرسله، ففرّق بعضه هناك على المساكين، وأرسل البعض الآخر إلى الزّوايا والصّوامع، وأجرى الباقي في أطراف البلاد.
…
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ١٣١.
(٢) في الأصل: تألقوا ثانية (بازتافتند)، ولا يستقيم بها المعنى، ولعلها: باريافتند، أى أذن لهم بالمثول في حضرة السلطان.
[ ٥٧ ]