كانت والدته «بيبي» المنجّمة، وهي بنت «كمال الدين السّمناني» رئيس أصحاب الشّافعي في نيسابور، وهي من قبل والدتها حفيدة «محمد بن يحيي» (^١) برعت في علم النّجوم، ولما كان طالعها مشتملا على سهم الغيب فقد جاءت أحكامها في الغالب موافقة للقضاء والقدر.
وعندما جاء «كمال الدين كاميار» في سفارة إلى السلطان جلال الدين عند باب «أخلاط»، رآها مقرّبة لخدمة السلطان، ووجدها مرجوعا إليها في أحكام النّجوم، وبعد عودته عرض هذه الحكاية على سبيل التندّر في أثناء المحاورة، ولما حدث للسلطان جلال الدين ما حدث، حيث حلّت به النّكبة من جيش المغول انتهى الأمر بهذه المرأة وزوجها إلى دمشق، فلمّا بلغ خبر ذلك للسلطان «علاء الدين» أرسل إلى الملك الأشرف رسولا لاستدعائهما، فأتى بهما إلى بلاد الرّوم معزّزين مكرّمين.
ولما ذهب الجيش إلى خرتبرت حكمت بيبي المنجّمة بأنه في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية يصل من يبشّر بالنّصر والظّفر، فأخذ السلطان يترصّد ذلك اليوم ويتطلّع إلى وصول الرّسول في تلك السّاعة. وفجأة وصل الرسل بنبأ مفاده أن عساكر الشام قد خذلت ولجأت إلى «خرتبرت»، ولو تحرّكت الرّايات نحوها في أيّ لحظة سيتم فتح القلعة دون أدنى منازعة. فتزايدت ثقة السلطان بمهارتها في ذلك العلم من موافقة ذلك الحكم. وأطلق غلمان الخاصّ في الحال
_________________
(١) محمد بن يحيي بن منصور النيسابوري، محيي الدين (٤٧٦ - ٥٤٨)، رئيس الشافعية بنيسابور في عصره، تفقّه على الإمام الغزالي، ودرّس بنظامية نيسابور. انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، طبع مصر ١: ٤٦٥.
[ ٢٣٤ ]
لإحضارها، فلمّا دخلت قال: وافق حكم بيبي خاتون القدر الربّاني/.
وألبسوها خلعة، وأمرها السلطان بأن تعرض كل ما تتمنّاه من أمنيات، فالتمست إسناد ديوان الإنشاء الخاصّ بالسلطان لزوجها «مجد الدين محمد الترجمان».
وكان من سادات «كورسرخ»، ومن الشخصيات الهامة بجرجان، فتحقق لها ذلك دون أدنى تردّد، وظلّ دائما ملازما في الحضر والسّفر، وكان يحظى بالعطف الملكيّ، وبلغ أمره في تلك الدولة مبلغا بحيث لم يكن السلطان يرى من هو أصلح منه لحمل الرّسائل إلى البلاطات الكبرى كبغداد والشّام والخوارزمّيين «وجلال الدين مسلمان» (^١) و«إيلچي» (^٢) وقد انتقل إلى جوار ربّه في شعبان سنة ٦٧٠ هـ.
نرجع إلى ما كنا بصدده، أمر السلطان فدقّوا في الحال طبول البشائر، وفي اليوم التّالي تحرّك موكب السلطان صوب خرتبرت، وما إن بلغوها حتى نصبوا ثمانية عشر منجنيقا، فأجالوا مجال الأمل وضيّقوا مدّة الأجل بتواتر الحجارة على المحصورين بالقلعة. ومن غرائب الاتّفاقات أنهم كانوا قد علّقوا حملا في تنّور بمطبخ ملك خرتبرت لكي يقدّم للملك وملوك الشام، فدخل المسؤول عن المطبخ وذكر أن حجر المنجنيق سقط على التنّور وأخذ الحمل وغيّبه في الأرض [ولم يعد له من أثر] (^٣).
وكان ملك حماة رجلا عاقلا، فقال: يا أصحاب الدولة، إنّ الدخول من
_________________
(١) فى الأصل: علاء الدين، وهو خطأ واضح، انظر ما سلف ص ١٨٣، هامش ٢.
(٢) كذا في الأصل، وواضح أنه يشير بهذه الكلمة إلى المغول، وإيلچي بمعنى مبعوث، أو رسول. انظر فيما سبق ص ١٩٨، هامش ٢.
(٣) إضافة من أ. ع، ٤٤٤.
[ ٢٣٥ ]
باب المقاومة أمر بعيد عن الحكمة والسداد. والرأي أن يذهب واحد منا إلى حضرة السلطان ويمسك بتلابيب كرمه فلعله يؤمّننا على أرواحنا. فاتفقوا جميعا على أن يأتي ملك حماة- الذى كان قد أشار بهذا الرأي- إلى خدمة السلطان، فحظي بالعاطفة الملكية وقرنت شفاعته بالإجابة بشرط ألا يخرج ملوك الشام وأمراؤه من القلعة شيئا قلّ أو كثر، وأن يقنعوا بخروجهم سالمين. وتمّ تسطير كتاب الأمان على هذا النحو، لكنّ/ حجارة المنجنيق واصلت العمل.
وفي اليوم التالي خفقت عذبات (^١) أعلام سلطان ممالك الشّرق على شرفات السّماء الزّرقاء (^٢). فعلت الأصوات من القلعة طالبة الأمان، وطلبوا أن ترفع إليهم الراية السلطانية، فحمل «خاصّ طغرل» الرّاية إلى أعلى، ونصبها على جدار البوّابة، وكانت أصوات البشارات من الدّاخل والخارج تصل إلى أسماع الكواكب السيّارة.
وخرج أمراء الشام وملوكهم من القلعة ونزلوا بموضع كان ضيوف الشّرف قد حدّدوه من قبل، فأرسل السلطان لكلّ خلعة على قدر مرتبته، وأمر بأن يحضروا إلى الحفل المضيء للعالم بعد صلاة العشاء، فدخل ملوك الشام وأمراؤه جملة وقد لبسوا الخلع، ونالوا من الطّعام والشّراب نصيبا ليس هناك ما هو أهنأ منه، بخلاف شمس الدين صواب الذي لم يلتفت إلى الخلعة، ولم يتناول كسرة خبز في الخوان. فضاق السلطان بتنّمره وتجبرّه، وقال للأمير «كمال الدين» إنه لم يلبس ثوبنا الأسود ولم يأكل خبزنا. فأجاب كمال الدين: قد أكل بكلتا يديه وبلغ به الشبع مبلغه. فتبسّم السلطان لسماع تلك اللطيفة.
_________________
(١) كذا في الأصل، كلمة عربية. والعذبة طرف الشئ.
(٢) هذه عبارة أ. ع ٤٤٥، وعبارة الأصل مضطربة.
[ ٢٣٦ ]
وفي اليوم التّالي نودي في الجند: كلّ من يبيع دوابّ للشاميين لن يكون جزاؤه إلا القتل والصّلب. وما كان هذا الاستخفاف [بالملوك وهو أمر لم يكونوا يستحقونه] (^١) إلا بسبب فساد رأي «صواب». وفي اليوم التّالي حصل الملوك على الإذن بالانصراف فيمّموا وجوهم شطر أوطانهم. وكانت الرّطوبة قد غلبت علي مزاج «صواب» فعجز عن المشي، فأخذ غلمانه يحملونه بالتّناوب على درع كرجي، حتى بلغوا به حدود الشّام.
وفي اليوم الذي نال فيه الملوك الإذن [بالانصراف] أصعد السلطان النوّاب والأمناء إلى القلعة لتدبير أمورها (^٢). ثم اتجه صوب قيصريّة، وأصدر أمرا «لكمال الدين كاميار» و«إياز الشرابسالار» لكي يطهّرا الملكين اللذين أنجبهما من الملكة العادلية/ ويقوما بختانهما وفق رسوم الختان السلطانية. وانطلق بنفسه عازما على بلوغ مشتى أنطاكية وعلائية.