لما انتهت عمارة قونية وجّه السلطان عنان عزمه صوب «قيصرية» لتفقّد مصالح البلاد، فلما شارف «قيصرية» أخبر أمراء ملطية أن «محيى الدين ابن الجوزي» قد أوشك على بلوغها حاملا رسالة من حضرة الخلافة، فأمر السلطان بأن يتقدّم ضيوف الشّرف السلطاني حتى «سيواس» المحروسة لاستقباله وأن يبذلوا جهدهم في توقير جانبه. وما إن بلغ نزل القوافل «لالا» حتّى خفّ السلطان لاستقباله بالمظلّة والطّبول، وهو في زينة تحسده عليها أرواح الملوك السابقين.
وبعد المعانقة أبلغه ابن الجوزي بسلام أمير المؤمنين وتلاطف السلطان وتحادث معه كثيرا. فلما بلغوا البوّابة ودع قادة الآفاق ودلف إلى داخل القصر.
وفي اليوم التالي [حين دفع راضة القدر الإلهي بمقتضى قوله تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ (^١) برج الأسد تحت تمكين ملك النّجوم السّيارة، وركب السلطان ذو العرش اللازوردي (^٢) على الحصان الأخضر الذي يسابق الرّيح] (^٣)، كان ديوان مالك الرقاب قد زيّن بزينة جعلتها أشبه ما تكون بروضة أهل الفردوس، وقد اصطفّ الأمراء الكبار عن يمين ويسار، وتجشّم الإمام محيي الدين التوجّه لديوان السلطنة مصطحبا الخلع والجنائب والأدوات المهذّبة والآلات المذهّبة. وأخذ «جلال الدين قيصر پروانه» بيد الرسول اليمنى «وظهير الدين منصور» / بيده اليسرى على سبيل الإعزاز والتكريم،
_________________
(١) سورة الأعراف: ٥٤.
(٢) يعني الشمس.
(٣) قارن أ. ع ص ٢٥٧، والأصل مضطرب للغاية في هذا الموضع.
[ ١٣٠ ]
وأجلساه على كرسي سبق وضعه على درجة العرش، ووضع حمّالو دار الخلافة الأحمال على حافة الصّفّة، وسحبوا الجنيبة- وقد ألبست رداءها المرصع- على الصّفّة. وأنزل السلطان من فوق العرش، وتسلّم في ذلك الحجاب ركاب جنيبة حضرة الخليفة تعظيما وتوقيرا، وارتدى خلعة الخلافة. وأخذ محيي الدين بيد السلطان وأجلسه على العرش ثانية. ثم ما لبث الفرّاشون أن رفعوا الحجاب، فنثر الأمراء والقادة تحفا من الذهب، ومدّوا بساط السّماط.
وبعد تناول الطّعام وتبديل الرّفع بالوضع طلب محيي الدين الخلوة، ثم بدأ الكلام فحمد الباري وصلى على روضة المصطفى ودعا لحضرة الإمامة وأثنى على حضرة السلطان ثم قال: إن أمير المؤمنين يبعث بالسّلام لملك الإسلام، ويقول إن جيش التّتار ما إن فرغ من محاربة محمّد خوارزمشاه حتى استمكنت قوّته واستحكمت شوكته، وقد نما إلينا أنهم يقصدون هذه الحدود، فلو أن السلطان سيّر ألفي فارس من بلاد الرّوم إلى هذه التّخوم برسم النّجدة، احتياطا واسما، لكان في هذا مصلحة للملك والملّة. قال السلطان: سمعا وطاعة، يتم اللّازم ويرسل على أسرع حال. فعاد الرسول إلى محل إقامته فرحا مسرورا.
وتوجه السلطان- بهيبة ووقار- إلى قصر الخلوة، فاستدعى الأمراء الكبار، وقال: كان اعتقادنا في بعد غور أمير المؤمنين ودرايته أكبر من هذا، إذا لا تجوز مقابلة جيش كسيل العرم لدولة جديدة وحظّ فتيّ- وهو جيش قد هاج وماج كبحر من النار- إلّا بالمداراة. ولعل الأصوب أن يشير أمير المؤمنين/ بأن يتجمّع من كل إقليم رسول بالتّحف والهدايا في موضع معيّن فيلتقون جميعا كالنّجوم في برج السّعادة، وينطلقون في صحبة رسول أمير المؤمنين إلى حضرة الخان، ويعتذرون إليه بأن سلاطين البلاد لو قدموا إلى حضرته بأنفسهم لحل ببلادهم
[ ١٣١ ]
الاضطراب، ويظهرون الطّاعة، ومن ثم تختمر الآراء والتّدابير وفق ما تقتضيه المصلحة (^١)، ويوضع للمصالحة بناء محكم وقاعدة راسخة.
غير أننا لو أبلغنا هذه المقدّمات للمسامع الشّريفة لأمير المؤمنين قبل إرسال النّجدة فسوف يحملها على العجز والضعف، ويظن أننا ضننّا بالإنجاد بالأجناد.
فإن كانوا قد طلبوا ألفي فارس فلنرسل خمسة آلاف، فيستصحبون بذلك مواليد سنة واحدة.
وفي الحال صدرت الأوامر بهذه المهمّة وتحريض العساكر للتوجّه إلى ملطية، بحيث يكون مسيرهم صوب دار السلام بقيادة ملك الأمراء «بهاء الدين قتلغجه».
وفي اليوم التالي استدعى السلطان الرّسول للنّزهة، وأعاد على مسامعه الحكاية كما جرت، وسمح له بالانصراف، فلما لحق محيي الدين بمقرّ إقامته أرسل الخزّان في إثره بخمسين ألف سلطاني، ومائة ثوب ثمين، وخمسة بغال سريعة السير، وعشرة خيول، وخمس غلمان من الرّوم، وعشرين ألف سلطاني برسم من يرافقه من كبار الشخصيات.
فلما انصرف لم يمض شهر واحد- بل أقلّ- حتى لحق الجيش بأسره بملطيّة المحروسة، وبقوا ينتظرون قدوم الرّاية السلطانية: فسرّح السلطان الرّاية بصحبة «ظهير الدين الترجمان ابن كافي ملطية» مع المبارزين والجنائب/ والحرّاس وخزان السّلاح وكميات هائلة من الميرة والزاد.
وكان الأمير بهاء الدين قد تجهّز وأعدّ أسباب السفر، فلما وصل ظهير الدين مع الرّاية وأبلغ الأمر، عيّن الميمنة والميسرة والمقدّمة والسّاقة والقادة ورؤساء
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٦٠.
[ ١٣٢ ]
العشائر وبيّنهم، وانطلقوا بنظام لم يشهد أحد له نظيرا.
وحين رأى ملوك الديار من «خرتبرت» و«آمد» و«ماردين» و«الموصل» تلك العظمة، عظم قدر السلطان في قلوبهم، فأخذوا في تقديم أنواع الهدايا والضّيافات. وكان الأمير بهاء الدين يبالغ بدوره في احترام الملوك وإكرامهم، كما يوصل إليهم من تشاريف السلطان وإنعاماته ورسائله النّصيب الأوفى.
فلمّا وصل إلى الموصل احتجزه بدر الدين لولو ثلاثة أيام، وقدّم له خلال إقامته من الخدمات ما لا يتسع المقام لوصفه، وفي اليوم الرابع أخذه الأمير بهاء الدين إلى حضرته، فأقام احتفالا شده لفخامته وروعته بدر الدين لولو- برغم ما عرف عنه من علوّ الهمة- فأثنى على السلطان ثناء عاطرا [وقال: قد يستدل على ما للسلطان من كمال الخلال وارتفاع ذروة الشّمائل والخصال بمثل هؤلاء المماليك النّجباء] (^١).
ثم إنه كتب رسالة إلى الملك مظفّر الدين (^٢) أن جيشا هائلا يتقدم من قبل السلطان لنجدة عتبة الإمامة، فإن حدث وتوقّف هذا الجيش هناك فسيتكبد الدّيوان العزيز الكثير من النفقات، لذا بات من الأولى صرفهم لكي يعودوا مسرعين من حيث أتوا. وقد أعد الملك مظفّر الدين الأنزال (^٣) والتّقدمات وتهيّأ بنفسه للاستقبال، فلمّا رأى الجيش وقائده على هذا النّحو استصوب رأي بدر الدين، وطيّر رسالة على جناح الحمام إلى الدّيوان العزيز، فوصل الجواب من
_________________
(١) زيادة من أ. ع، ص ٢٦٢، وتبدو هذه الفقرة- التي أهملت في الأصل- ضروريّة لكي يتم معنى الجملة السّابقة عليها مباشرة.
(٢) يريد به الملك مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل.
(٣) نزلها، وهي جمع نزل أي المكان الذي ينزل فيه الضّيف.
[ ١٣٣ ]
الدّيوان ببقاء الجيش هناك إلى أن يصل ضيوف الشرف، فليحتجز/ الملك مظفّر الدين عساكر الروم هناك بطريقة تتضمّن الليّاقة والتّكريم.
كانت السماحة عند الملك مظفّر الدين طبيعة والسخاء غريزة، فلم يترك شاردة ولا واردة. وبعد بضعة أيّام جاء أحد كبار الأمراء من الدّيوان العزيز لإعذار الأمير بهاء الدين، فذهب عند الأمير مظفّر الدين، وأتى بصحبته إلى الأمير بهاء الدين، وسلّمه رسالة الدّيوان العزيز مع سلام العتبة المقدّسة، فوضع الأمير بهاء الدين رأسه في الحال على الأرض، ثم وضع الرسالة على مفرق رأسه، وكان قد كتب في الرسالة: كانت الأنباء قد تواردت من قبل بأنّ جيش المغول حين فرغ من أمر خوارزمشاه انطلق إلى هذه النّاحية، وكنّا قد استنجدنا بالسلطان احتياطا أما الآن فنحن نسمع أن رأيهم قد تحول عن تلك الفكرة، فسمح بالانصراف لملوك الأطراف الذين كانوا قد قدموا من مختلف الأرجاء، فيتعين على الأمير بهاء الدين العودة بجيشه بسلام.
وجيء بخمسين ألف دينار خليفي ومائة جمل ومائة حصان وخمسين بغلا وعشرة آلاف رأس من الغنم، وثلاثمائة خلعة ومائتي بغل محمّلة بأنواع المأكولات والحلوى برسم النّزل. فدعا الأمير بهاء الدين للخليفة وأثنى على ما قدّم من صدقة وإنعام، ووضع جبينه على الأرض، وأعطى ضيوف الشرف خلعا سلطانية، وسجّل ذلك كله ودوّنه، ثم قام بتوزيعه على الجيش. وأمر بأن يركب الجيش بأسره بكامل سلاحه وعتاده من الغداة، وأن يعرضوا أنواع الشّجاعة والشّهامة واللّعب بالرّمح ورمي السّهام واستخدام الأنشوطة والوهق.
وفي اليوم التالي انتظم الجند ثم ركبوا، ولبس الأمراء الخلع، فلما ظهرت/
[ ١٣٤ ]
مواكب بغداد وإربل (^١) ولّى الأمراء وجوههم- وقد ارتدوا الخلع- صوب دار السّلام، ونزلوا من فوق خيولهم، ووضعوا رؤوسهم على الأرض، ورفع قادة الفرق أصواتهم بالدّعاء لأمير المؤمنين والثّناء على ملك العالم.
فلما شاهد رسل أمير المؤمنين والملك مظفّر الدين ذلك التواضع ورأوا حشود العسكر ومهارة الفرسان واستغراقهم التامّ في الذّهب والسلاح قالوا: إن سلطانا نجدته (^٢) هذا الوقار وهذه العظمة إن قصد بنفسة ملكا فمن ذا الذي ينجو من بأسه وسطوته، وأثنوا ثناء جزيلا على الأمير بهاء الدين وحشوده، وودع كلّ منهم الآخر، ثم انطلقوا آيبين صوب الرّوم.
وحين وصلوا ملطيّة ودخل الأمير بهاء الدين بيته أقام وليمة كبرى، ثم أمر بالانتشار، وأرسل أحد كبار الأمراء في صحبة راية السلطنة، كما أرسل نائبه إلى الحضرة السلطانية واعتذر عن نفسه، ثم ما لبث أن أسرع بعد شهر إلى الدّيوان، ونال شرف تقبيل اليد.
…
_________________
(١) لعله يعني بذلك قدوم رسول الخليفة والملك مظفّر الدين ومن يرافقهما من كبار الأمراء لتحية جيش الروم قبل مغادرته.
(٢) قارن أ. ع ص ٢٦٤.
[ ١٣٥ ]