اختار السلطان جلال الدين للردّ على [زيارة] صلاح الدين كلّا من الملك جمال الدين فرّخ الطشتدار (^١) - وكان من المقرّبين لأبيه- وجمال الدين السّاوجي، ونجم الدين أبي بكر الجامي، وبعثهم بهدايا توفّرت له في ذلك الوقت وكانت موجودة في الخزانة، والاصطبل، وجعل برفقتهم اثنين من كبار الأمراء الخوارزميين، وزوّدهم بالوصايا البليغة في تعظيم منزلة السلطان وتوقير مكانته.
_________________
(١) يعني المسؤول عن «الطشت خانه»: «وفيها يكون الطشت الذي تغسل فيه الأيدي، والطشت الذي يغسل فيه القماش … وفي الطشت خاناه يكون ما يلبسه السلطان .. إلخ» (صبح الأعشى ٤: ١٠).
[ ١٩٥ ]
وعندما بلغوا حدود الرّوم كان السلطان في «علائيّة». ووفقا للأمر عبر بهم المرشدون من تلك الممّرات الوعرة في الجبال والمضايق، مما لا يجول بخاطر العقاب في الأحلام عبوره لما به من أهوال ومخاوف. وأبلغ السلطان بنبأ قدومهم.
فأمر بأن ينهض/ الأمراء الكبار لاستقبالهم بجنائب الخاصّ، وأن ينزلوهم بموضع نزه ذي بهجة، فظلّوا خمسة أيام بين الأنهار والكؤوس والمراعي لنفض غبار السّفر وإزالة وعثاء الخطر وعناء التّرحال.
وفي اليوم السّادس حين خرج السلطان- الذي علا اسمه فسامت الشمس بالقبّة الزرقاء- أمر بأن يتوجّه «كمال الدين كاميار» و«ظهير الدين التّرجمان» للوفاء باحتياجاتهم، وتقديم الاحترام لهم، [وأن يسألوهم عن المتاعب التي قد شاهدوها في الطّريق والتّقصير الذي أبداه المضيفون] (^١) ويدعونهم للمثول بين يدي السلطان.
وحين بلغوا الأعتاب الملكيّة استولت عليهم الدّهشة وتملّكتهم الحيرة- برغم ما كان فيهم من غرور وعجب- فقبّلوا الأرض دونما اختيار منهم.
فتفضّل وقام نصف قيام إكراما لهم، فسلّموا الكتاب وأبلغوا الرّسالة، ثم انصرفوا إلى مقرّ إقامتهم بعد الفراغ، وتلقّوا الإعزار والإكرام طيلة أسبوع كامل.
وفي اليوم الثّامن أمر السلطان فأعد المجلس وتمّ استدعاؤهم للحضور، وجلس السلطان جلسة «جمشيد» (^٢) على عرش ذهبيّ مرصّع بالجواهر كان قد صنع له ليلقى به رسل الكبار، ووضع التاج الكيقبادي على رأسه. وبعد حمد ربّ العالمين، والصّلوات على روضة سيّد المرسلين قال للرّسل:
_________________
(١) إضافة من أ. ع، ص ٣٧٥.
(٢) الملك الفارسيّ القديم.
[ ١٩٦ ]
أبلغوا السلطان الغازي الخدمات الوافرة من جانب هذا المحبّ المخلص، واعرضوا غليان مراجل الشّوق المتزايد تزايد هممه العالية تطلّعا لتقريب مراحل الاجتماع، ولتقرّروا أن غاية ما كنّا نتمنّاه وزبدة ما كنّا نرنو إليه أن حسام انتقام السلطان طالما قد انتهى من قهر خصومه في «الأبخاز» ودخل الغمد، وطالما قد فرغ ذهنه العالي من فتح منطقة «تفليس»، فقد كان لابدّ له أن يهجع بضعة أيّام برسم التنزّه والتفرّج في مروج الرّوم كي تستجمّ مراكب/ الفرق ومواشي الجند، ويتبدل التلاقي بالفراق. ورغم أن وعاء مقدرة أمثال هذا المخلص يقصر عن الوفاء برعاية جنابه فحسبه أن يذعن ويطيع.
أمّا الآن وقد تحقّق أنه صرف همّته لمحاصرة قبّة الإسلام «أخلاط» بتسويل أصحاب الأغراض، وما هم إلا شياطين الإنس (^١)، فإنّ هذا الأمر يبدو بعيدا عن الرّأي السّديد؛ ونحن وفقا لحكم الحق تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ (^٢)، نجهر بالقول بأنه أولى به [أن يثني عنانه عن تلك المدينة ويقصد ملكا من ممالك المشركين. وهناك مصلحة أخرى من باب النّصيحة التي هي الرّكن الأهمّ والباب الأعظم للدّين والملك] (^٣) وهي أن يسلك مع جيش التّتار طريق المداراة والمهادنة، وأن يقرع- كلمّا تمكّن من ذلك- باب المصالحة من جانبه وبكلّ ما في وسعه (^٤)، وإنّه ليجول بخاطري وضميري أن
_________________
(١) هذ نص عبارة الأوامر العلائية، ص ٣٧٧، وعبارة الأصل مضطربة.
(٢) لقمان: الآية ١٧.
(٣) زيادة من أ. ع، ٣٧٩.
(٤) «لأن عقلاء القرون الأولى وحكماء الأزمان السابقة قد قالوا إن الدخول في طريق المعاداة والخصومة مع قوم أقاموا دولة جديدة، سيّما وهم يتوكلون ويعتصمون بحول الله تعالى وحبله وقوّته في كل الموارد والمصادر ولا يبقون على جاف أو زان أو-
[ ١٩٧ ]
أرسل رسلا إلى «الإيلچيين» (^١)، وأعتذر لهم عمّا بدر من السلطان» «علاء الدين محمد» (^٢) - أنار الله برهانه- من تعجيل، وذلك لصالح المسلمين أجمعين، كي تنطفئ جمرة الفتنة- التي استولت على أطراف الخافقين- بلين المقال وبذل المال.
ولا شكّ أننا سوف ننقل هذه الفكرة من حيّز القول إلى الفعل، كي يكون ذلك معلوما لديكم. وقد بدا من الواجب إبلاغ هذا الأمر إلى المسامع الشّريفة للسلطان الأعظم لأنه يكون مشاركا ذا نصيب في هذا الصّدد.
فإن جعل السلطان إنجاز الأعمال الرائعة رأس مال عمره، بأن يقلع عن سفك دماء أهالي الأرمن، ومحاصرة تلك الديار والدّمن وصرف العساكر عنها ودفعها صوب «أرّان»، وأرسل إلى جيش المغول وطلب الهدنة والصّلح، وتعهّد ألا يتوغّل في دار الإسلام بوجه الغدر وسفك الدماء- وهو أمر مذموم عاقبته شوم- لكي يستريح من/ التشرّد وأكل السّحت؛ فإنني لن أبخل بكلّ ما يجول بالخاطر من الجواهر والذّهب والفضّة، وما إلى ذلك من الخدمات.
_________________
(١) - فاسق أو سارق- أمر بعيد عن مسلك أولي الألباب وذوي الحصافة وأصحاب الدّراية» (الأوامر العلائية ص ٣٧٩).
(٢) إيلچيان: كذا في الأصل، جمع: إيلچي: رسول، مبعوث، مندوب، ويبدو أن هذا اللفظ قد استخدم اصطلاحا في دولة سلاجقة الروم- للدلالة على المغول، كما سنلاحظ فيما بعد.
(٣) يعني به السلطان محمد خوارزمشاه (ت: ٦١٧ هـ) والد السلطان جلال الدين، وكان هو الذي استثار التتار فقضوا على دولته ودمّروا بلاد المشرق الإسلامي في أقصر مدّة.
[ ١٩٨ ]
أما إن أعرض عن هذه النّصائح، فالنّصيحة واجبة بحّق الإسلام وطريق الصّيانة للعالم، وعلينا بدورنا أن نعمل بما تقتضيه الآية: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (^١).
ونرى واجبنا جلب المنفعة ودفع الأذيّة، فإذا ما أصابتنا عين لامّة في خضمّ الموقف، نكون قد خرجنا من عهدة أمانة الباري تعالى وتقدّس، وبذلنا المجهود (^٢) في ذلك. أما إن أطلّ النّصر بطالعه من حجب الغيب فهو المراد، والبادي أظلم.
فلما ودّع الرّسل الخدمة، أمرّ السلطان «ألتونبه چاشني كير» أن يستعد للرّحيل للردّ على [خوارزمشاه] وألّا يبخل ببذل كلّ دقيقة من دقائق الطّنافس والنّفائس.
وأمر بأن ينطلق بصحبته ألف من الفرسان المشاهير الأبطال ممن عرفوا بطول القامة وضخامة الجثّة والوسامة وفرط الشجاعة. فلمّا تمّ تدبير الأمور انطلقوا، وتوجّهوا من الحضرة السلطانية مباشرة إلى الطريق. فلمّا تدانت الخيام، وتمّ إبلاغ السلطان جلال الدين أن رسلا من جانب الروم بقوات شرفيّة، أمر أن يخرج أمراء خوارزم الكبار وأبطال الجيش على جنائب الخاصّ لاستقبالهم.
وامتثالا للحكم التقوا بالأمير «شمس الدين ألتونبه»، ولم يخلّوا بشرائط التعظيم
_________________
(١) سورة الحجرات: آية ٩.
(٢) في الأصل: محمود.
[ ١٩٩ ]
والإجلال بوجه من الوجوه./ وإن هي إلا لحظات حتى بدأوا بجرّ الأحمال والأثقال، والجمال والبغال، والأمتعة والفرش وقطعان الغنم والماشية ومائتي جمل بختيّ (^١) تحمل لوازم الخزانة والمطبخ ومعدّات الخمر والخيمة، كما لحق بها مائة بغل تحمل الدّنانير الذهبية والخلع الخاصّة والمعدّات الذّهبية. فدهش الخوارزميون جميعا وأثنوا كثيرا على السلطان علاء الدين: (بيت):
- إن الملك لجدير بهذا الملك، لأنه إنما يربّي مثل هؤلاء المماليك
وقبل أن يبلغ الأمير «شمس الدين» حدود «أخلاط» أصيب بمرض «النقّرس»، فأخذ يضع الدّهانات المخدّرة (^٢)، ويتحرّك على محفّة، فلمّا وصل إلى حضرة السلطان أعفي من وضع الجبين على الأرض.
وفي اليوم التّالي استدعى السلطان جلال الدين قادة جيش خوارزم وزين الأعتاب والدّيوان بشكل جذّاب، ووقف «فخر الدين علي شرف الملك الخوارزمي» فتولّى أمر سؤال الرّسل وجوابهم، ومع أنّه كان بمثابة الوزير، لكنّه كان يتصدّى للحجابة ويتحمّل عبء رفع «الصّولجان» يوم الاستقبال. فجيء بالأمير شمس الدين جالسا في محفّة، فلما دخل الدّيوان أبدى الأعذار عن عدم تقبيل البساط، فقرنت بالقبول، وقبّل اليد، وأدى رسالة السلطان. فلمّا فرغ من أداء الرّسالة، واتّجه إلى الخيمة، استدعى أمراء خوارزم وأعد خوانا ملكيا وحفلا سلطانيا، فاندهش الأمراء من كثرة النّعمة والتّمكين، وظل مدة
_________________
(١) البخت: الإبل الخراسانية.
(٢) قارن أ. ع، ٣٧٢.
[ ٢٠٠ ]
شهر على هذا المنوال لا همّ له بعد التنّزه إلّا سماع الأوتار وشرب الخمر العذبة.
وذات يوم التفت السلطان جلال الدين إلى كبار رجاله وقال/ «إننا ما أظهرنا يوما تلطّفا مع رسول الروم، وما أدرنا معه [أنخاب] الصّداقة، والرّأي أن نقيم حفلا نسعى فيه إلى تكريمه. فقالوا جميعا بلسان واحد: إنّ عندهم من معدّات الاحتفال ما لا يتيسّر منه المعشار طيلة أعمار لأي سلطان، ولديهم أطعمة لذيذة وخمر ورديّة تزيل الهمّ والحزن، فيجب أن نبقي على هيبتنا ولا يجدر بنا أن نزرع بذرة هذا العبث.
ولمّا طالت مدة إقامة «چاشني گير» تأذّى السلطان علاء الدين لذلك، فأرسل كمال الدين كاميار في مهمّة لكي يتحسّس الأخبار. فلمّا وصل كمال الدين إلى حضرة السلطان جلال الدين، وتجاذب الحديث معه في كل باب، لم يشتمّ رائحة الصّلح من أيّ وجه، فراغ والتمس الإذن بالعودة، فأجابه السلطان لذلك، وردّ ردودا مموّهة حول «أخلاط». وهي أخلاط أباطيل:
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب (^١)
[وقال إنّ مدينة أخلاط قد ضاق عليها الحصار، ولا يضيع ما تكبّدناه لمدّة طويلة من تعب ومشقّة] (^٢). فإن كان قد علق بحاشية الخاطر الكريم للسلطان غبار بسبب ردّ هذه الشّفاعة، فلابد أن يزال بماء تمهيد الأعذار. فعودوا بالسّلامة، وأبلغوا الخدمات المخلصة، وسيقدم رسلنا في أعقابكم، ويأتون
_________________
(١) النّبع والغرب نوعان من الشجر تصنع منهما القسيّ والسهام، والبيت يضرب مثلا لهوان الشأن.
(٢) إضافة من أ. ع، ٣٨٣.
[ ٢٠١ ]
بالمواثيق وإجابات الرّسائل بالتّفصيل. فودّع الأمير «شمس الدين»، و«كمال الدين» السلطان، وخرجا مسرعين. ولما فصلت العير عن معسكر الخوارزميين في الصّحراء، وساروا في الطريق يومين، تركوا متاعهم هناك ولحقوا مجرّدين بالإيوان السلطاني/ في «العلائية».
وفي الطريق رأوا «ركن الدين جهانشاه» في «أرزن الروم» وأوصوه بأن يتجنّب الأعداء الذين يتخفوّن في صورة الأصدقاء، وألا ينحرف عن الميل والولاء للسلطان. فتعهّد بذلك، لكنهم ما بلغوا «أرزنجان» إلا ولحق «ركن الدين» بالسلطان جلال الدين وحرّضه على غزو ممالك الرّوم.
وحين بلغ السلطان الأمر استعدّ للنزال والقتال، وأرسل «كمال الدين كاميار» لدعوة الملك «الكامل» وباقي أولاد «العادل»، وأمر بمسير عشرة آلاف فارس في صحبة «چاشني گير»، و«كندصطبل»، و«مبارز الدين عيسى»، و«نور الدين كماخي» إلى «أرزنجان» لمزيد من الاحتياط وليحرسوا الممّرات.
ولمّا وصل كمال الدين عند الملك الكامل والأشرف، راوغاه في أوّل الأمر، ولم يجيباه بصراحة، فأطلق كمال الدين لسانه بالتّقريع والتّوبيخ، وقال إن لم تبادرا بتقديم هذا الإمداد وتوفير هذا الإسعاد، فلو حدث ما يخشى منه في الغد- والعياذ بالله- ورأيتما حرم السلطان بيد أجنبيّ: لن تفيد ندامة ولا تحرّق إرم.
فأصيبا بغصّة من هذا الكلام، ووافقا في الحال، وأعدّا العساكر، وانطلق الملك الكامل بالعسكر إلى «حرّان» فلما بلغها جاء أصحاب الأخبار في إثره من قبل «مصر» وأخبروه أن الفرنجيّ وصل إلى شاطئ البحر بجمّ غفير يربو على المائة ألف فارس، وعزم على غزو المسلمين، فعاد الملك الكامل متعجّلا، وأرسل
[ ٢٠٢ ]
رسالة اعتذار إلى السلطان، فلما وصل إلى هناك نصره الله تعالى، وألحق الدّمار بالكفّار، فأرسل الملك الأشرف، والملك الجواد (^١)، والملك الغازي، والملك المغيث، والملك العزيز لحضرة السلطان.