حين قفل السلطان راجعا إلى الممالك المحروسة خرج ليفون من مهربه، وتشاور مع بقايا الخواصّ في تدارك تلك الرزيّة، فلم يجدوا جميعا من وسيلة سوى طريق إظهار التذلّل. فجهزّ هدايا من كل نوع وسيّرها في صحبة الكفاة، وكان مضمون رسالته: «إذا كان المغرضون قد نقلوا عنّي سوءا إلى مسامع ملك العالم فها أنذا قد نلت جزائي، فالأمراء صرعى والملك قد أدبر والجيش بأسره قد تبدّد بالقتل. والمتوقّع- لما عرف به السلطان من مرحمة سابغة- أن يتجاوز عن ذنبي ويصفح عنه/. (والحقيقة أن السلطان كان سينزع عني «ولاية سيس» ويعطيها لآخر، فما أنا إلا مملوك وابن مملوك، وأنا بعد هذا أضع حلقة العبوديّة في أذني (^١)، وأضاعف الخراج، وأبعث كل عام- بخلاف المعهود- بخمسمائة فارس بكامل عدّتهم لكي يوجّههم السلطان حيث شاء).
وتشفّع [تكور] بعدد من الأمراء الكبار لقضاء هذه المهمة، حتى توسّطوا جميعا- بالاتفاق- لدى عتبة العرش الأعلى، وأزالوا ما علق بالخاطر الأشرف للسلطان العادل من غبار الوحشة. وتقرر أن يرسل إلى الخزانة العامرة كلّ سنة عشرون ألف دينار برسم الخراج، مع التّحف والأحمال التي تكون لائقة بذلك، وأن يؤدي ما بقي عليه من خراج العام الماضي. وألا يهمل بعد اليوم في أي أمر من أمور الولاء مهما دقّ وصغر.
ووفقا لهذه الشّروط أقرّه السلطان على ملك «سيس»، وحلف الأيمان،
_________________
(١) قارن أ. ع ١٦٧.
[ ٧٩ ]
واختار الصّاحب ضياء الدين قرا أرسلان- وكان في ذلك الوقت أمير الدّواة- للإجابة على ليفون وتحصيل بقايا الخراج، وبعث معه بمنشور مجدّد لملك تلك المملكة. وحين علم «ليفون» بقدومه استقبله بنفسه وأنزله بقصره، وبلغ الغاية القصوى في إكرام جانبه. وفي اليوم التالي قرئ أمر السلطان مع منشور تقرير المملكة على رؤوس الأشهاد، ووضع ليفون جبينه على الأرض وأخذ في الدّعاء، ونثر الكثير من الأموال.
وفي اليوم التالي كتب الصاحب ضياء الدين المسوّدة لكي يقسم تكور على ذلك كلّه ويوقّع على الوثيقة. وأرسل إلى الخزانة العشرة آلاف دينار الباقية وعشرة آلاف لستة أشهر تالية كتقدمة من خراج المستقبل، مع تحف أخرى.
وحين/ وصل ضياء الدين إلى «قيصرية» وعرض بقيّة الخراج والهدايا والتّحف والمواثيق التي بعث بها تكور، بالغ السلطان في الإحسان إلى الرّسول، وأطلق سراح الأمراء المحبوسين، وبعث بالفرامين إلى أطراف الممالك بأن أسباب النزاع قد زالت منذ اليوم، فافتحوا الطرق أمام التجار والمتردّدين ولا تلحقوا أذى بأيّ مخلوق. ثم سرّح الرسل وهم يشعرون بمسرّة بالغة.
***
[ ٨٠ ]