حين أبلغ خبر طلوع طلائع الإقبال وظهور البدائع الخاصة بسعادة السلطان علاء الدين كيقباد لحضرة الخليفة وبلاط الإمام «النّاصر لدين الله» تفضّل فأرسل منشور السلطنة ونيابة حكومة ممالك الروم، والخلعة السلطانية وحسام الملك وخاتم الإقبال في صحبة (^١) الإمام الربّاني أبي يزيد (^٢) الوقت والجنيد (^٣) الثّاني، من تصدر الصفّة في قبّة الأولياء، والأتقياء، وارث علوم الأنبياء «خلاصة القدرة خالصة السّدرة عارف الحقائق قارع الشواهق شهاب الملّة والدّين شيخ الإسلام والمسلمين هادي الملوك والسلاطين الداعي إلى جناب مالك يوم الدين أبي عبد الله بن محمد السهروردي ﵁» (^٤).
وحين أبلغ السلطان بالقدوم المبارك للشيخ إلى «آقسرا» أرسل الأمراء مع إقامات كثيرة (^٥)، فلما لحق بمنطقة «زنجيرلو» خفّ القضاة والأئمّة والمشايخ/
_________________
(١) في الأصل: سلطنت: والتصحيح من أ. ع ص ٢٣٠.
(٢) أبو يزيد البسطامي: متصوف فارسي توفي ٢٦١ له شطحات جاوزت الحدود أحيانا حتى اعتبره الجنيد غير مكتمل في طريق الصوفية. تنسب إليه الطريقة «الطّيفورية».
(٣) الجنيد: أبو القاسم بن محمد، صوفي بغدادي، توفي ٢٩٤، تنسب إليه الطريقة «الجنيدية» وهو من الذين أسسوا التصوف على الكتاب والسّنة.
(٤) ما بين الحاصرتين ورد في الأصل باللغة العربية. والسهروردي هو السهروردي البغدادي شهاب الدين وهو متصوّف وفقيه شافعي عرف بتقواه وتنسكه، توفي ببغداد ٦٣٢، وهو غير السهروردي المقتول.
(٥) كذا في الأصل؛ والأوامر العلائية ص ٢٣٠: «با اقامات بسيار»، ولعله يريد بالإقامات المؤن، وفيها إشارة- فيما يبدو- إلى قول النبيﷺ- «حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه» رواه الترمذي، ولم أعثر في معانيها في المعجم على هذا المعنى.
[ ١١٦ ]
والمتصوّفة والأعيان والإخوان بأعداد كبيرة للغاية للتّرحيب به، ثم توجّه السلطان بنفسه بجيش منظّم تنظيما باهرا (^١) لاستقباله. فلما وقع نظره على جمال الشيخ المبارك قال: «ما أشبه هذه الطلعة بوجه من أخذ يفكّ القيد عن قدمي في المنام عشية خلاصي من السجن ويأخذ بيدي كي أركب ويقول: سوف تلازمك همّة عمر بن محمد السّهروردي دائما أبدا».
فلما اقترب أخذ في معانقته ومصافحته، قال الشيخ: ظلّ بال عمر بن محمد السهروردي قلقا من ناحية سلطان الإسلام منذ ليلة السجن؛ والمنّة لله أن دخل حصول ما لا عوض عنه دائرة التيسير قبل حلول ما لابد منه، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ (^٢)، فبادر السلطان- وهو في غاية الارتياح والانشراح- بعد السّلام وأمسك باليد اليمنى المباركة للشّيخ، وتضاعفت أسباب الاعتقاد، وبلغ في تعظيمه أقصى نهايات الغايات، وأراد أن يفعل ما فعله إبراهيم ابن أدهم (^٣) حين سلك طريق عيسى بن مريم، وكان الشّيخ يشاهد بنظرته النّورانية أوهام السلطان وخواطره، فيجيب على كل خاطر ويعمل على تسكين البواعث والدّوافع التي استقرت في الطبع منذ يوم «ألست» (^٤)، ويفسّر قول الحقّ تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (^٥) ويقول: «ولكلّ عمل رجال» ويشجّع على
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) سورة فاطر: ٣٤.
(٣) إبراهيم بن أدهم: زاهد مشهور بالزهد والوعظ، وكان ابنا لأحد ملوك بلخ والإشارة هنا إلى تحول إبراهيم ابن أدهم عن الإمارة إلى الزهد والإعراض عن مباهج الدنيا، عاش في القرن الثاني الهجري.
(٤) إشارة إلى قول الله﷿-: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (سورة الأعراف: ١٧٢).
(٥) سورة الصافات، آية ١٦٤.
[ ١١٧ ]
بسط العدل والتمسك بأهداب الدين، حتى انسلخ السلطان كلّية- بمجرد وصولهم المدينة- من لباس التعصّب والغرور والعجب والغفلة، وصار كروح الملك كلّه خير.
وفي اليوم التالي/ دعي الشيخ إلى قصر السلطنة حتى يلبس السلطان خلعة الخلافة ويضع على رأسه العمامة التي كانت قد كورت في بغداد، وعلى ملأ من الناس أتوا بمقرعة الحدود- وهي تقليد من تقاليد دار الخلافة- وأجروها على ظهر السلطان أربعين ضربة، وقادوا جنيبة (^١) دار الخلافة ذات النّعل الذّهبي، فاستلم السلطان- بحضور الأنام كافّة- حافر جنيبة الإمام ثم ركب هو والشيخ المعظّم- كلّ منهما- جنيبته، وشاهد الناس جميعا السلطان على تلك الهيئة.
فلما عادا ووضعت المائدة ثم رفعت، بدأ منشدو الخاصّ السلطاني «السماع» (^٢)، فتواجد (^٣) كبار المريدين الذين كانوا قد قطعوا الأغوار والنّجود في صحبة الشّيخ، وتجلّى في كلّ الحاضرين شوق عظيم من ذوق ذلك السّماع، وفعل ذلك فعله في السلطان وجمع من الأمراء- سيما جلال الدين قراطاي- ولما تحوّل الشيخ إلى المنزل المبارك- وكان مهبطا للواردات الرّوحية- تكلّف السلطان [من النّقود والمتاع] (^٤) تكلّفا يزيد عن الحدّ والقياس، وبعث به إلى الشيخ.
_________________
(١) كذا في الأصل: جنيبت، والكلمة عربية، ومعناها دابة.
(٢) السماع: مصطلح صوفي، ويعني ما يرتّل من أشعار وأذكار على وقع النّاي والدّف، لإثارة الطّرب والوجد في قلوب السامعين.
(٣) الوجد: مصطلح صوفي أيضا، وهو ما يرد على القلب دون تصنّع ولا تكلّف.
(٤) إضافة من أ. ع ص ٢٣٣.
[ ١١٨ ]
وطيلة مدّة إقامة الشيخ بقونية استسعد السلطان برؤيته المباركة بضع مرّات.
فلما حان وقت انصراف الشيخ ورجوعه أرسل إليه في صحبة «قراطاي» و«نجم الدين الطوسي» من أموال خراج النّصارى والأرامنة مائة ألف وخمسة آلاف دينار من الذّهب السلطاني المسكوك بالسكّة العلائيّة من فئة الخمسمائة والمائة والخمسين مثقالا مضروبا، وكمّية من الأمتعة برسم النّفقة. وخرج لوداعه حتي «زنجيرلو»، وهي تقع على بعد فرسخ بأكمله من قونية. ونال المدد من الشيخ، وحين المفارقة جرى على لسان الشيخ هذان البيتان:
/ ولم أر كالتّوديع أقبح منظرا … وإن كان يدعو أهله للتّعانق
وللصّارم الهندىّ ألين جانبا … ملامسة من كفّ إلف (^١) مفارق
ولزم بعض الأمراء وضيوف الشّرف السلطاني شروط خدمة الشّيخ حتى جاوز ملطيّة- آخر حدود المملكة.
…
_________________
(١) في الأصل: ألف، وهو تصحيف.
[ ١١٩ ]