حين انهزم السلطان الشّهيد جلال الدين بن علاء الدين محمد تكش في حدود الهند من جيش المغول، ووقع في نهر السّند المتلاطم موجه، ثم نجا من تلك الورطة، قام «وفاملك» - وكان في أوّل أمره من أوباش الفتيان في تلك النواحي- بالعناية بأمر السلطان بما قدّمه من خدمات حازت الرّضا والقبول، فلقّب لذلك بملك الوفاء، وفوّض إليه حكم تلك الدّيار. ووصل السلطان إلى مدينة مراغة بشراذم متفرّقة من الجند كانت قد لحقت به بعد أن تمزّق جيشه في تلك المعركة.
وقد أرسل قاضي القضاة محيي الدين- وكان من فحول أئمّة خوارزم يشار إليه بالبنان في علم الكلام، ومتفّق عليه في سائر العلوم- لافتتاح سبل المودة مع السلطان «علاء الدين كيقباد»، وكان هذا الأمر من أهمّ المهمّات عنده، فأرسله إلى حضرة السّلطان بهذا المكتوب، وهو من منشآت «شهاب الدين كوسوي»:
إمداد السّلام، وإيراد التحيّة، ووظائف الثّناء، ورواتب المدح التي تدفع إلى مشامّ القلب بنسيم العقيدة الصّافية والطويّة النّقية، وترسّخ قاعدة الوداد ومباني الاتّحاد؛ كلّما توجّهت نحو المجلس السامى للسّلطان المعظّم الذي عهده كعهد جمشيد (^١) وهو ذو القرنين هذا الزّمان، علاء الدين وقطب الإسلام
_________________
(١) جمشيد: أحد ملوك الفرس القدماء، عرف بالعدل وبسطة الملك.
[ ١٨٩ ]
والمسلمين، فلك المعالي شمس الأعالي، ظل الله في العالمين، افتخار آل سلجوق ملك الملوك والسلاطين، برهان أمير المؤمنين، دام ساميا وبحمى الملوك حاميا، استبدّت بي الرّغبة في إحراز سعادة الاجتماع، ونازعتني نفسي إلى إدراك كرامة اللّقاء، وهو رهن بمواتاة الحظّ ومساعدة الزّمان على النّحو الذي لا يمكن تقريره بالكتابة مهما كان القلم حادّا وسيّالا/: «الخطّ ما يغني بما لا ينفذ».
ولئن كان تعبير الزّمان وتقلّب الأدوار قد سدّ من قبل هذا باب المكاتبة والمراسلة الذي يسلو به الأصدقاء وقت الهجر والفراق، فمن الآن فصاعدا يجب بذل ما في الوسع لرفع حجاب المغايرة والغربة، وفتح باب المودّة، والاتّحاد، فيتّخذ الجانبان شعارا من قول القائل:
«تمسّك إن ظفرت بودّ حرّ … فإن الحرّ في الدنيا قليل»
إذ المشاركة في مشايعة سنّة الجهاد والمحاربة أمر ثابت بحمد الله ومنّه، والمساهمة في توفيق الدّين والملّة أمر حاصل: «وأولى الناس بودّك وخلّتك من وافقك في دينك وملّتك».
فمن جهة سلاطين المغرب فإن ذلك المجلس السامي، دام ساميا، واسطة سدّ الثغور، وقمع أهل الكفر والفجور. ومن جهة ديار المشرق، فنحن نعمل بدورنا لإطفاء نار فتن الكفّار بالسّيف البتّار، إذن- ومع وجود العديد من القرائن من نفس الجنس- لو لم نفتح طريق المباسطة ونصبح متشاركين متشابكين في جذب المنافع ودفع المضار:
«فأي النّاس نجعله صديقا … وأي الأرض نسلكه ارتيادا»
[ ١٩٠ ]
هذه الرسالة يتم تحريرها من مدينة «مراغة» - عمّرها الله. وهي في هذه الساعة مركز لراياتنا (^١)، حفّت بالميامن والنّصر والظّفر، وذلك في أواخر جمادى الآخرة، جعله الله غرّة للتوفيق وصبحا للسعادة على المجلس العالي.
وبحمد الله ومنّه، وبيمن همة دولّة المجلس السّامي- دام ساميا- وتأييده فإنّ أحوال دولتنا وأعمال مملكتنا تستوجب مائة ألف حمد. فلقد اجتمعت كل أسباب التّوفيق وعدّة العمران من اجتماع الكلمة وإجماع الأمّة ووحدة الصفّ ومطاوعة أكابر الملوك ومشايعة الأسر الكبيرة/ وضبط الملك الموروث والمكتسب دفعة واحدة باسم الله تعالى. ولقد دخلت- في مدة غيبة راياتنا السلطانية عن هذه الممالك- مملكة طويلة عريضة من ديار الهند في حوزة عمّالنا، واستقرّت همتّنا كلّها وانعقد عزمنا برّمته على الانتقام من أعداء الدين، وشفاء قلوب أهل الإسلام.
وما من شك في أنّ المجلس السّامي- دام ساميا- قد بلغ به الابتهاج والسعادة كلّ مبلغ لما اتصف به حال ملكنا ودولتنا من رونق وازدهار؛ حيث تستمر استنامة الرعيّة واستقامة العمّال. وإن كلّ سعادة تحصل لمجلسكم نحسب أنفسنا ذوي سهم ونصيب فيها.
والآن، وقد وجّهنا إلى حضرتكم الصّدر المعظّم العالم المجتهد قوام الملك مجير الملّة والحقّ والدّين، شرف الإسلام والمسلمين، علّامة الزمان باقعة العصر، افتخار خوارزم وخراسان، ملك النّواب، قاضي القضاة في الممالك، أبا الملوك والسلاطين طاهر- أدام الله تمهيده وحرس تأييده، فهو واسطة عقد الأكابر،
_________________
(١) قارن أ. ع ٣٦٩.
[ ١٩١ ]
وخلاصة زمرة المفاخر، ومن قدماء أعيان الحضرة وبقايا أركان الدولة- قرنت بالخلود بمزيد التّقريب ومزيّة التّرحيب المخصوص، وهو في معظّمات الأمور مشار إليه ومتّفق عليه،
وسوف يفصح شفاهة برسائل تفتح الطّريق وتزيل عن مرآة القلب غبار الغربة والمغايرة، ويذكر عيار معاركنا التي يعرفها حقّ المعرفة، مما يوجب رفع حجاب المباينة والغربة وفتح باب الموافقة والوحدة حتى يكون تردّد الرّسل واختلاف المبعوثين والسفراء من الآن فصاعدا أمرا متواترا.
وينبغي أن يصغي المجلس السّامي لكلامه- الذي كثيرا ما مرّ على مسامع الملوك والسلاطين- بسمع الرضا، وليعتبر كلّ قوله ورسائله مرسلا منّا، وأن يعتبر ما يعرضه من ملتمسات ويرفعه من مقترحات الكمّ والكيف لمصافّنا صادرا عن خلوص/ النيّة وصفاء الطويّة، [والحمد لله رب العالمين] (^١).
فبالغ السلطان في إكرامه، فكانا يركبان سويا وقت النّزهة، ورفع السلطان التكلّف وحجاب الأجنبية بينهما. واستقر رأيه على خطبة إحدى الأميرات من بنات السلطان جلال الدين- وقد ولدت له من أخت الأتابك «أبي بكر ابن سعد»، صاحب شيراز- للملك «غياث الدين كيخسرو»، فيجعلان بينهما قرابة ومصاهرة.
وأرسل في الجواب هذه الرسالة من إنشاء «مجد الدين الطّغرائي الأسد آبادي»:
حيث إن الله ﵎ قد جعل انتظام مفاخر الجواهر واجتماع غرائب
_________________
(١) إضافة من أ. ع، ٣٧٠.
[ ١٩٢ ]
المناقب في الذّات الشّريفة وطينة المجلس العالي للسّلطان المعظّم الإمبراطور الأعظم عاهل بني آدم الإسكندر الثّاني، صاحب قران العالم، جلال الدنّيا والدّين، علاء الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، مظهر الحقّ بالبراهين، ملك الملوك والسلاطين أدام تضاعف جلاله ولقّاه في الدّارين نهاية آماله، وصرف عين الكمال عن كماله بمحمد وآله،
فقد تجلّت- بحمد الله- براهين اللّطف العميم والكرم الجسيم كأصدق ما يكون
و«ليس من الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد»
وهكذا أراد أن تكون المبادرة باستمالة الآراء (^١)، والافتتاح باستعطاف الأهواء- وهو رأس مال الملك وأساس التّوفيق- من جانب حضرتكم لكي يصبح التيسير قرينا لأقسام التعطف والتوّدد وأنواع التلطّف والتعطّف لذلك الجناب الكريم، بل جنّات النعيم: «أبى الفضل إلا أن يكون لأهله».
ومن ثمّ أمر بافتتاح المكاتبة مع هذا المخلص، وأحرز قصب السّبق في رعاية قواعد الوداد، «غير مدفوع عن السبق العراب». فلما وصل خطاب العظيم، الذي يبعث على المباهاة والافتخار، اضطرم الشّوق/ الذي كان كامنّا في الجوانح ومتمكّنا في الصّدر فبلغت ألسنة نار الالتياع الثريّا:
وأبرح ما يكون ألوف يوما … إذا دنت الخيام من الخيام»
علم الله أنه منذ أن تواترت الأخبار بحركة الرّايات المنصورة للانتقام من
_________________
(١) زاد في الأصل كلمة: ازو: يعني منه، وهو تصحيف، انظر: أ. ع، ٣٧٢.
[ ١٩٣ ]
الكفّار الملاعين، وشفاء صدور أهل الدين، سيّما الآن وقد لقيت بشائر علوّ الهمة، وفيض إمداد التوفيق سندا من مضاء عزيمة المجلس العالي للسلطان المعظم، فأخذت تزداد أمنية المباسطة في حضرته لحظة بلحظة، وتنشط الرغبة في المجازفة بمكاتبته. لكن لا يخفى عن الحضرة أنّ لهذا المخلص جهادا في الأركان الأربعة (للمعمورة) باستمرار رحلة الشّتاء والصّيف تحت ظلال السّيف. وهو نفس المعنى الذي تفضل به المجلس العالي في الخطاب الشريف حيث أشار إلى اقتران الجنس، وفيه كفاية للتمهيد للاعتذار.
والأمر الثاني أنّ الله﷿- أكرم تلك الحضرة بكرامة الافتتاح ومزية الابتداء فأراد لهذه اللّطائف أن تكون من نصيبه، ولم يكن من الجائز العمل بعكس ما قضت به الأقدار. أما وقد سمح بالمباسطة فسوف يزداد ملل الحضرة من تواتر المكاتبات.
لقد وصل الجانب المحروس الصّدر الكبير للعالم مجير الدّولة والدّين، ظهير الإسلام والمسلمين، وبحر الملوك والسّلاطين، سنا الدّولة القاهرة، ضياء الأمّة الباهر، مجتبى الخلافة المعظّمة، ملك ملوك النّواب، قدوة الأكابر والصّدور، نعمان الزّمان، صدر صدور «خوارزم» و«خراسان»، وافتخار الدّنيا الطّاهر، أدام الله تمكينه، وجعل اليقين قرينه؛ فأبلغ بالمشافهات الشريفة، فهبّت بمطالعة ألطافه العميقة تلك تباشير خلوص العقيدة،
وفي الأيّام/ القليلة التي قضاها هنا سلب القلوب بذكر المعالي السلطانيّة، وزاد من تمكّن الأرواح بتلك المكارم الملكيّة، وردّا عليه نال القائد «صلاح الدين» سعادة المثول في خدمتكم. والثّقة أكيدة في أنّه حين يتشرّف بالمثول في خدمة تلك الحضرة العظيمة سيلقى ما يقوله ويبديه بالجملة تعويلها، ولتحسبوه
[ ١٩٤ ]
قول هذا المخلص، فتدعموا بذلك قاعدة المودّة التي أرسيتموها بتواتر المخاطبات وتعاقب المكاتبات: شعر
لو كان فيما يراه من كرم … فيه مزيد فزادك الله
وذلك طالما استمرّ هذا المخلص على جادّة الخدمة، يسلك طريق التّقارب.
والسلام.
ولمّا وصل القاضي مجير الدّين إلى سيواس، عرض له مرض مهلك، فودّع الدّنيا وهو يعاني من الألم، فرافق صلاح الدّين التّحف والهدايا، ووصل إلى منطقة «أخلاط» في الوقت الذي كان السلطان مشغولا فيه بمحاصرتها.