كانت شمس معالي السلطان علاء الدين كيقباد وجلاله في الحكم والسّداد قد بلغت درجة الكمال، لا بل حائط الزوال، وأذعن لحكمه عظماء الآفاق، وبدأ في مشاركة أمير المؤمنين المستنصر في المملكة بمقتضى ملك الأعمام، وخوطب بالسلطان الأعظم والقسيم المعظّم.
وكان بحكم غبار الوحشة الذي علق بخاطره المبارك، قد أمر بجمع الجند في قيصرية لغزو ولاية الشام، وفوّض أمر العناية «بسيواس» إلى «قيرخان» بعد أن كان أمرها موكّلا إلى فخر الدين إياز «الشرابسالار». وكان أخصّ الخواص، وانتقل إلى جوار الحق. كما أقرّ ملك أرزنجان ثانية للملك غياث الدين. ورشّح «ألتونبة چاشني گير» لتولّي مهمة الأتابك (^٢) وملك الأمراء لدولته.
كما قرّر ولاية عهد/ سلطنة الرّوم للملك عزّ الدين قلج أرسلان، وألزم سائر الأمراء بمتابعة ذلك حتى اطمأنّ الجميع رغبا ورهبا فبايعوا، وأقسموا الأيمان المغلّظة الوثيقة على الولاء له والانقياد.
فلما بزغ هلال شّوال سنة ٦٣٤، كان قد حشد في صحراء المشهد من الجند ما لم يكن بالإمكان حصره، وقد حضروا في ساحة العيد، واستعرض كلّ شخص ما يتقنه من فنون، ثم إنهم أخلوا الميدان، وانطلق السلطان خلف الأمير جلال الدين قراطاي قابضا على رمحه [زاعما أنه سيلقي به من فوق ظهر الحصان على الأرض] (^٣) فلم يمكّنه الأمير جلال الدين من ذلك بروغانه،
_________________
(١) قارن أ. ع، ٤٥٦.
(٢) ومعنى الأتابك: الأمير الوالد، «والمراد أبو الأمراء .. وليس له وظيفة ترجع إلى حكم وأمر ونهي، وغايته رفعة المحلّ وعلوّ المقام» (صبح الأعشى ٤: ١٨).
(٣) إضافة من أ. ع، ٤٥٩.
[ ٢٤٥ ]
وقد لعبا هذه اللعبة عدة مرات، ثم توّجه إلى خيمة ذات ثلاث قباب، وأدّوا صلاة العيد، ثم وضعوا الخوان، ورفعوه.
وفي اليوم الثّالث من شوال أمر باستدعاء كلّ الرسل الموجودين بقيصرية لحضور الحفل السلطاني، وتجمّع الأمراء والأكابر والأماجد التّابعين للسلطنة، وجيء بآلات الطرب، وتصاعدت أصوات المطربين ذوي الألحان البديعة، وبدأ السّقاة ذوو النّطق الذهبية والسّيقان الفضّية في الدّوران على رؤوس الحرفاء كأنهم أشجار سرو سائرة، وصاح النّاي سريع الوقع بنداء (بيت):
خذوا بنصيب من نعيم ولذّة … فكلّ وإن طال المدى يتصرّم
وغراب البين ينعب بالنحيب مبلّغا أسماع الجلّاس ورضّاع الكاس بصوت مهول.
نشيد: (شعر):
كم جموع قد رأت أبصارنا … يمزجون الخمر بالماء الزّلال
ثم صاروا في غد أيدي سبا … وكذاك الدّهر حال بعد حال
وفجأة جاء «ناصر الدين على چاشني كير» بطائر قد شوي لحمه جيّدا ولا زال ساخنا إلى الحفل، فقطّعه وقدّمه للسلطان. وما إن تناول السلطان بضع لقيمات حتى ظهر تغيّر/ كامل في مزاجه الكريم، فأخذ أهل المجلس في التفرّق ذاهلين.
وتجشّم السلطان- لفرط ما به من اضطراب والتهاب- الركوب إلى قصر «كيقبادية»، وقد أصابه فئ شديد. وقال لقراطاي: قد انتهى أجلي فبادر
[ ٢٤٦ ]
باستدعاء «كمال الدين كاميار» لتزويده ببعض الوصايا، فأسرع غلمان الخاصّ في طلبه، فوصل الحضرة عند صلاة العشاء. وكان قد ظهر الكلال على القوّة الناطقة للسلطان حتى إنه كان يستخدم الإيماءات والإشارات، فما أدرك الأمير كمال الدين شيئا منها، ومن ثمّ سارع بالعودة إلى البيت.
وكانت اللّيلة التي انتقل فيها السلطان من قصر «كيقبادية» إلى جنّة الرّضوان هي ليلة الاثنين الرابع من شّوال سنة ٦٣٤، وبعد يومين حمل جسده المطهّر إلى «قونية»، ودفن جنبا إلى جنب آبائه وأجداده.
لقد أصبح قلب البرق بسبب ذلك مشوّيا، وامتلأ عين السّحاب بالدمع، وأخذت أمور الملك والملة منذ ذلك اليوم في التّراجع، وأصابها الفساد، ولحق الوهن بما يمسك السلطنة من نظام.
وكان من عجائب الاتّفاقات أن الملك الكامل والملك الأشرف- وكلاهما كان يمنّي نفسه بالسّيطرة على بلاد الروم- قد لقيا حتفهما في هذه الأيّام نفسها.
ووقع الهرج والمرج في أحوال ممالك الرّوم، فلم يذق حلق إنسان شربة هنيئة بهذه الممالك النّزهة العامرة، التي كانت موئل الغرباء وملجأ الضعفاء. ولم تنبثق من الأرواح والقلوب مئات الآلاف من أنهار الحماسة والفتوّة.
***
[ ٢٤٧ ]