لما جلس الملك علاء الدين داود شاه بعد أبيه الملك فخر/ الدين بهرامشاه على سدّة الملك والقيادة، انقاد له ملك مدينة أرزنجان وولايتها التي تعد أفضل البقاع وأنزه الأماكن والرّباع، حيث يجري نهر الفرات دبرها، وهبّات نسيم صباها ملؤها البنفسج والورد البرّيّ. ومع أنه كان ذا نصيب وافر من كل أنواع العلوم، فإنه انشغل بارتكاب المناهي ومتابعة الملاهي والاستبداد بالرأي والاستماع لهذيانات قرناء السوء. ولم يكن يعير أذنا صاغية لنصائح كبار السّن والمشفقين أولي الرأي والتدبير. وعقد العزم على التّنكيل بأمراء مملكته وتصفيتهم، فقتل بعضهم وكبّل البعض الآخر، وآثرت طائفة الارتحال عن ديارها وأموالها حذر الموت، فأزمعت الجلاء مولّية وجهها شطر السلطان، فعرضوا عليه سوء أعمال الملك وقبح فعاله فأكرم السلطان وفادتهم.
وكتب رسالة خطّية للملك علاء الدين بوجوب إطلاق سراح الأمراء السّجناء وردّ ما قد أخذه منهم، فإن استرضاهم وعمل على تهدئة خواطرهم أرسل إلينا بذلك (^١).
فاعتذر الملك بأنّ هؤلاء الجماعة سلكوا معي طريق الجفاء واللّامبالاة، ووافقوا خصومي، وحين تحققت من أمرهم عاملتهم بما يستحقّون، فبدأ رسول السلطان بتوجيه العتاب، حتى حمله بالوعد والوعيد على إطلاق سراحهم، وكفّ يده عن أموالهم وممتلكاتهم. وأعاد الرسول مقضيّ الوطر.
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٣٤٦.
[ ١٧٦ ]
وحين وصل الأمراء الأسرى إلى أعتاب السلطنة حظوا بالمودّة الكاملة والعطف البالغ، وعيّن كل واحد منهم إقطاعات مشبعة مغنية باقتراح «كمال الدين كاميار».
ولمّا سمع الملك علاء الدين أن كبار رجال مملكته قد انتظموا في سلك مماليك دولة السلطنة، وأن التكبّر والغرور قد أخذ من أتباع أولئك الأمراء لذلك كل مأخذ فشرعوا في التحكّم في نّواب أرزنجان والإزراء بهم؛ بلغ به الضيق مبلغا من الحسد والغيرة لذلك فأعدّ- وهو في حالة من الحزن والألم والخوف- من أسباب السفر ما يليق بأبواب السلاطين وما تتم به استمالة خواطر الأكابر من التّحف والهدايا. وانطلق صوب بلاط السلطان، فلما لحق بحدود قيصريّة سارع ضيوف الشّرف الخاصّ لاستقباله، وحملوا إليه الكثير من الأنزال والأحمال.
وفي اليوم التالي خرج السلطان لاستقباله، وحين وقع نظر الملك على مظلّة السلطان، نزل من فوق الحصان، فتقدّم الأمراء بأمر من السلطان وأركبوه ثانية، فلمّا اقترب أراد أن ينزل مرّة أخرى فمنعه السلطان، وتشّرف الملك بتقبيل اليد، وهو على ظهر الحصان، فاحتضنه السلطان، وأخذ يسأله عن المشاقّ التي تكبّدها في الطّريق، فالتمس الأعذار بعبارة عذبة حلوة، وكان السلطان قد تجشّم الركوب متبادلا معه الحديث سائلا إّياه عما طرأ من أحوال.
ولما اقترب من المدينة لوى السلطان العنان صوب «كيقبادية» بينما ذهب هو مع الأمراء وضيوف الشّرف إلى النّزل الذي كانو قد حدّدوه سلفا. فنصبوا خيمة الملك التي كان قد أحضرها معه من «أرزنجان»، وهي ذات حبال حريريّة، وظلّت الموائد ممدودة بأنواع الأطعمة ثلاثة أيام. وفي اليوم الرّابع حمل الأمير «نجم الدين ولد الطّوسى» إلى الملك- بأمر السلطان- عشرة آلاف دينار وحزاما
[ ١٧٧ ]
مرصّعا وقلنسوة مغرقة بالجوهر وجبّة ملكيّة نسجت بخيوط الذّهب وحصانا عربيّا من جنائب الخاصّ، ورحب به.
وبعد ذلك أحضر ضيوف الشّرف السّندات/ لوكلاء نفقة الملك، فكانت:
سندا بألفي رأس من الغنم، وسندا بألفي حمل من القمح، وسندا بمائتي حمل من الحمر، وعشرين ألف درهم نقدا قيمة الحوائج من الشّمع والسّكر وغيره (^١). فأزجى الملك الشّكر على النّعم الجزيلة لعاهل العرش والسيف وقضى ذلك اليوم مع أهله في سرور ورغد.
وفي اليوم التّالي لبس الخلعة السلطانية وركب حصانه، فلما وصل عند السلطان أعاد تقبيل اليد، قال السلطان: لعلّ الملك قد استراح من عناء الطريق، وهجع على فراش الراحة، فأثنى الملك علاء الدين على عاهل الزمان والمكان ثناء كثيرا، ثم تنزّها سويا في صحراء المشهد. وحين عطف السلطان العنان نحو الإيوان، أدى الملك الخدمة ثم ذهب إلى خيمته.
فلما انقضى نصف النهار قدم «نجم الدين ولد الطّوسي» من قبل السلطان بخلعة أعلى قيمة من الأولى، كما أحضر أمير الإسطبل خيولا عربيّة مزيّنة بطوق ولجام من الذهب، وأبلغا سلام السلطان، إذ أن الملك قد تكبد المشقة زمنا، (بيت):
- ما دمنا نشرب الخمر اليوم معا، فلنضرب عن الدنيا صفحا بإرادة من قلوبنا.
لبس الملك الخلعة وركب على مركب من مراكب الخاصّ، فلما بلغ
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٣٤٩.
[ ١٧٨ ]
الإيوان وجاء نظره على السلطان وضع رأسه على الأرض فنهض السلطان وبالغ في إعزازه وتكريمه، وحين دارت الكؤوس بضع دورات أخذ الملك يثب من مكانه بسبب غرور الشباب والشعور بالسّعادة، وترك عنان الكلام في يد اللّسان الذي تنتج منه معظم آفات الروح، وأخذت تصدر عنه كلمات لا ينبغي أن تقال، وحركات لا يصحّ أن تفعل، وكان السلطان يكرمه بجر ذيل العفو على هفواته. وظلّ عشرة أيام يحضر كل يوم في الحفل الملكي الذي تستنير به الدّنيا.
وفي اليوم الحادي عشر أتى الأمير/ «نجم الدين» من قبل السلطان بخزانة يكفي ما بها نفقة ألف ملك، والتمس العذر.
وفي اليوم التالي كتبت على يد «سعد الدين كوبك» الترجمان معاهدة محكمة بخطّ السلطان الذي هو الجوهر المنثور (^١)، جاء فيها: طالما أنّ داود شاه يحفظ عهدنا من صميم القلب، ولا يصادق خصومنا، ولا يرسل إلى كل دار من الديار من المكاتبات ما يدلّ على الشّحناء والبغضاء، فلابد أن يشهد من جانبنا المدد والتوفيق والجاه، أما إن باشر خلاف ما تم الاتفّاق عليه وما هو متوقّع منه فسوف يلقى من الجزاء ما يستحقّه. وأرسل المعاهدة إلى الملك وأمره بالانصراف قرير العين إلى عشّه وداره، فقدم في اليوم التالي لوداع السلطان، وتوجّه صوب مستقرّه، وظلّ السلطان مدّة في قيصريّة، ثم انطلق إلى السّاحل.
…
_________________
(١) كهربار، وفي الأصل: كهرباء، وهو تصحيف. (انظر أ. ع. ٣٥١).
[ ١٧٩ ]