الحاذقون (^١) الّذين كانوا موجودين عندئذ: لو وصل إليه حدّ المبضع لكان من المتوقّع حدوث خطر عظيم، والمأمول أن تظهر رأسه بالضّماد والمرهم. ولفرط العجز يئس السلطان من الحياة، ثم أمر باستدعاء «فاسيل» الجراح. فلمّا حضر رأى أن مادّة [الجرح] قد نضجت تماما، فوضع رأسه في معرض الخطر، وأعمل المبضع، فاندفع القيح والصديد في الحال، وأحضر «قراطاي» الطّست، وكان الرّيم كلما اندفع تسللت الراحة إلى نفس السلطان، فلما تطّهر الجرح كليّة غلب عليه النوم، وظلّ ساكنا يوما بليلة، فخاف الناس من تلك الحالة، وظنّوا أن محذورا ربما يكون قد وقع.
فلما استيقظ السلطان طلب الجّراح/ لكل يملأ [تجويف] الجرح بالقطن، وكان قد أحسّ قبل ذلك براحة كبيرة، فقال: من يشعر بالارتياح لسلامتي عليه أن يبادر بالإغداق على «فاسيل»، فإذا بهذا الرجل الذي كان يشعر كل صباح بالغصّة لتدبير قوت يومه (^٢)، يباهي «قارون»، ويحاكي البحار والمناجم عندما حلّ الليل لكثرة ما تكبّد أمراء الشام والروم والنّسوة من الخواتين من إغداق عليه.
وبعد ذلك بأسبوع واحد أو أقلّ اندمل الجرح فعزم السلطان على الخروج للنّزهة. وأمر بالبدء في تهيئة الأسباب لإقامة الحفل فزيّنت المدينة، وكان الأمراء والقادة الشاميّون قد صاغوا سبعة قصور من الذّهب والفضّة وزّينوها بأنواع الجواهر
_________________
(١) (¬١) ذكرت أسماؤهم في أ. ع، ص ٢٩٦ على هذا النحو: «الصدر فريد الدين محمد الجاجرمي، وبدر الدين ابن الحريري الذي نظم كليات القانون، وعز الدين ابن هبل الموصلي، وتقي الدين الرسعني الطبيب، وصفي الدولة النصراني».
(٢) قارن أ. ع، ص ٢٩٧ ونص الأصل لا يخلو من اضطراب.
[ ١٥٢ ]
ووضعوها فوق ظهور البغال، قبل وصول مهد العروس، وأخذ اللّاعبون بحركاتهم الجميلة والمشعوذون (^١) بطفراتهم السّريعة المتقنة يستعرضون مهاراتهم وفنونهم.
والتمس ملك «خرتبرت» أن يكون عديلا للسلطان، [فبذل له السلطان ذلك]، فتعهّد تلك الضّيافة بصنوف الكرم من بذل الدّينار والّدرهم، وقضوا أسبوعا بأكمله في المتعة واللهو.
وفي اليوم الثامن بدأ السلطان الاحتفالات العامة، فدعا إليه أمراء الشام، واعتذر عن ما كان قد وقع لهم من تأخير في الغربة بسبب ما ألمّ به من تعب، فوضعوا رؤوسهم جميعا على الأرض، وحمدوا الله تعالى على سلامة المهجة وحصول البهجة.
ولما تلفّعت أمّ الدينا (السّماء) بالرّداء الأزرق القاتم، وتجلّت البنات الشبيهات بالياسمين ذوات القدود الفضّية من سقف القصر الأزرق، وبسط فرّاشو قدر «ولقد زينا السّماء الدّنيا بمصابيح» (^٢) سماء لازورديّة مملوءة بعرائس النّجوم السّيارة، وتظاهر الحرفاء بالتّساكر (^٣)، تبختر السلطان في حجال الجلال، ولحق بحرم الوصال، ورأى من الواجب فضّ الختام وقضّ الرّخام في الحال/ وبذل بسبب تلك السعادة كنزا لائقا لأولئك الذين قدموا من جانب الشام على
_________________
(١) كذا في الأصل: مشعبذان، عربيّة الأصل، وشعبذ، مهر في الاحتيال وأرى الشيء على غير حقيقته.
(٢) سورة الملك الآية ٥.
(٣) في الأصل: تشاكر (لفظ عربي الأصل)، لعله تساكر: إظهار السّكر وليس بسكران.
[ ١٥٣ ]
أمل تنسّم نسائم إنعام الملك الموفّق، وجعل الملكة مالكة لكنوز قارون وحاكمة لملك فريدون (^١).
وفي اليوم التّالي خصّ أمراء الشام بتشاريف ثمينة، وأجلسهم في محفله.
كذلك قضى أسبوعا آخر في اللهو مع الأقران.
وفي اليوم الثّامن أذن لأمراء الشام بالعودة والانصراف مزوّدين بسائر الألطاف، وتوجّه هو إلى قيصريّة، ومن هناك إلى أنطالية. وكان كلما بلغ مدينة من المدن زينت وأديرت بها آلة اللهو والسّرور.
وقضى السلطان الشّتاء وأيام الثلوج في تلك الرّياض والمروج، وحين بدأت رياح الرّبيع في الهبوب، وأخذ البرد في الذوبان كقلوب العاشقين، وشرعت عروق الأرض في الضّرب والخفقان كقلوب المشتاقين صدرت الأوامر لأطراف البلاد إلى الأمراء والأجناد كي يحضروا إلى «قيصرية» المحروسة.
…
_________________
(١) في الأصل: تشاكر (لفظ عربي الأصل)، لعله تساكر: إظهار السّكر وليس بسكران.
[ ١٥٤ ]