وسمعت (١) أبا علي البستاني يذكر عن ابن سمّاعة صاحب محمد بن الحسن قال سمعت محمد بن الحسن يقول: بعث إليّ هارون في أمر يحيى/وأمانه وقد جمع له الفقهاء والقرشيّين، فجعلت على نفسي أن أصحّح الأمان/ولو كان فاسدا لأحقن دمه.
فذاكرات ابن أبي عمران بهذا (٢) الخبر فذكر عن ابن سماعة نحو ما ذكره البستاني عنه، قال ابن سماعة [١]: قال محمد بن الحسن: لما سألني هارون عن أمان يحيى أراد منّي ومن غيري أن ندلّه على رخصة يصل بها إلى قتل يحيى؛ قال فدفع إليّ (٣) الأمان وقال: انظر في هذا الأمان الفاسد، قال (٤): فنظرت فيه فرأيته صحيحا (٥)، أصحّ أمان ولو كلّفت أن أكتب مثله على صحّته لصعب عليّ، قال: فقمت قائما
_________________
(١) في هامش ص الأيمن: «كلام محمد بن الحسن الشيباني ﵀».
(٢) م: عن هذا.
(٣) ص: لي.
(٤) «قال»، من ر وحدها.
(٥) «صحيحا»، من ر وحدها.
(٦) قارن بتاريخ الطبري ٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (-٣/ ٦١٩ - ٦٢١)؛ ومقاتل الطالبيين ٤٧٩ - ٤٨٠ (ط ٢.٤٠١)؛ وكتاب المصابيح (ص ٣١٢ - ٣١٣ فيما يلي)؛ والإفادة في أخبار أئمة الزيدية ٨١ - ٨٢؛ وأخبار أبي حنيفة للصيمري ١٣٠ - ١٣١؛ والحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٩٣ - ١٩٤؛ ومناقب أبي حنيفة ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٨؛ وبلوغ المرام ٤٩ - ٥٥؛ وسيرد خبر مشابه لهذا بسند آخر فيما يلي ص ٢٦٢ - ٢٦٤.
[ ٢٤٨ ]
فقلت: يا أمير المؤمنين حرام الدّم، ما رأيت قطّ أمانا (١) أصحّ منه ولا أوثق (٢)، وليس في نقضه حيلة؛ قال: فأخذ دواة بين يديه فرماني بها فشجّ رأسي، ودفعه إلى غيري حتّى عرضه على جميع من حضر، فقالوا كلّهم مثل قولي إلاّ أنّهم لم يبادوا به؛ قال (٣)، فقال وهب بن وهب أبو البختري بعدما قال هو (٤) إنّه صحيح: ها هنا حيلة، قال: ما هي؟ قال:
إن قال الفضل بن يحيى إنّه نوى وقت ما أعطاه الأمان غير الوفاء فالأمان باطل، قال هارون: والفضل يقول هذا. قال: فدعا بالفضل بن يحيى، وأخوه جعفر بن يحيى حاضر فقال هارون: أليس (٥) إنّما نويت بالأمان غير الوفاء؟ فقال الفضل: ما/نويت بالأمان إلاّ الوفاء؛ قال:
فغضب هارون وقال: ويلك أليس إنّما نويت غير الوفاء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين ما نويت إلاّ الوفاء، قال: [فاشتد غضب هارون وقال:
ويلك أليس نويت غير الوفاء؟ قال:] (٦) لا والله الذي لا إله إلاّ هو ما نويت غير الوفاء يا أمير المؤمنين، ونظر أبو البختري إلى يحيى بن خالد وجعفر بن يحيى قد تغيّرت وجوههما وأربدّت، ورمياه بأبصارهما فعرف الشّر في وجوههما، قال، فقال: يا أمير المؤمنين ما تصنع بهذا ادع لي بسكين، فأحضر له سكين فقطع الأمان ثم قال: يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في عنقي. قال، فقال له يحيى: يا دعيّ، لقد (٧) علمت قريش
_________________
(١) ص: أمانا قط.
(٢) م ص: أوثق منه.
(٣) من ر وحدها.
(٤) ر: قاله.
(٥) م ص: بالفضل ويحيى بن خالد وابنه جعفر بن يحيى حاضران.
(٦) ليست في ر.
(٧) م ص: والله لقد.
[ ٢٤٩ ]
أنّك لقيط وأنّك تدّعي إلى غير أبيك، وأبوك الذي تدّعي أبوّته لم يصحّ له نسب في قريش، إنّما هو عبد لبني زمعة [١]، فأنت مدعّ إلى دعيّ وقد جاء في الأثر/عن الرسول: ﵌ «إنّ من ادّعى إلى غير أبيه أو (١) انتمى إلى غير مواليه فليتبؤا مقعده من النار» [٢]، فكيف ترى حالك وأنت مصرّ على الدّعوة بعد معرفتك بالأثر عن النبيّ ﵇، ثم جرأتك على الله واستخفافك بمحارمه وتخريق (٢) أمان وكدّه ووثّقه (٣)، جماعة من علماء المسلمين، فهب أن لا مراقبة عندك في رجاء ثواب ولا خوف عقاب، فهلاّ سترت على ما يخفي ضميرك ممّا قد أبديته من هتك سترك وإبداء عورتك، معاندة لله ولدينه، /وعداوة منك لله ولرسوله ولذريّة رسوله، ثم التفت إلى الرشيد فقال له: يا هارون اتّق الله وراقبه فإنّه قلّ ما ينفعك هذا وضرباؤه «يوم يعضّ الظالم على يديه ويقول الكافر يا وليتني لم أتّخذ فلانا خليلا» (اقتباس من الآيتين ٢٧ و٢٨ من سورة الفرقان) الآية يَوْمَ لا يَنْفَعُ اَلظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ اَلدّارِ (غافر ٤٠/ ٥٢). فقال (٤) الرشيد لمن حضر (٥) من
_________________
(١) ص: و.
(٢) م: في تخريق؛ ص: بتخريق.
(٣) ص: قد وثقه ووكده.
(٤) ر: قال.
(٥) م ص: لمن حضره.
(٦) لم أستطع التثبيت من هذا القول فيما بين يديّ من مصادر؛ وانظر في نسب أبي البختري: نسب قريش ٢٢٢ - ٢٢٣؛ وفي كتاب المصابيح (انظر ما يلي ص ٣١٣): «وما لهذا والفتيا إنّما كان أبو هذا طبّالا بالمدينة».
(٧) قارن بمصنف عبد الرزّاق ٩/ ٤٩ - ٥٢ (بألفاظ أخرى)؛ وفتح الباري ٦/ ٣٤٨، ١٢/ ٤٣؛ وفنسنك ١/ ٦.
[ ٢٥٠ ]
الفقهاء وغيرهم: انظروا ولا يستحلّ أن يقول أمير المؤمنين (١)، وأراد هارون أن يحتجّ عليه ليبطل أمانه (٢) فقال (٣) يحيى: وما (٤) جزعك من اسم سمّاكه أبوك، قد كان يقال لرسول الله، صلّى الله عليه، يا محمد فما ينكر على الدّاعي له بذلك وقد سمّاه الله رسوله ﷺ (٥).
وقال موسى في حديثه [١]:
فأمر هارون جماعة الفقهاء والقرشيين (٦) أن يكلموا يحيى يخبرهم بأسماء السبعين الرجل الذي أعطاهم الأمان، قال، وقال هارون: كلّ ما عزمت على طلب (٧) أعدائي تهيّبت (٨) من أجل هؤلاء الذين أعطيتهم الأمان ألاّ أتعرّضهم؛ قال (٩)، فقالوا ليحيى: اذكر لأمير المؤمنين أسماء أصحابك لئلاّ (١٠) يغلط فيهم (١١) فيأخذهم وقد أعطاهم الأمان فيأثم، فكلّموه (١٢) بكلام هذا معناه؛ فقال يحيى: إن أراد أمير
_________________
(١) م ص: يا أمير المؤمنين.
(٢) ر: امامته.
(٣) ر: قال.
(٤) م ص: ما.
(٥) ص: رسول الله ﵇.
(٦) م ص: القرشيين والفقهاء.
(٧) بياض في ر بقدر كلمة بين: «طلب» و«أعدائي».
(٨) م ص: نهيت.
(٩) ليست في ر.
(١٠) ر: لئن لا.
(١١) م ص: بهم.
(١٢) ص: وكلموه.
(١٣) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٨٢ - ٤٨٣ (ط ٢.٤٠٣)؛ والحدائق الورديّة (مصورة) ١/ ١٩٤.
[ ٢٥١ ]
المؤمنين أن يفي لي ولهم (١) عرّفني رأيه في الوفاء، فمتى أخذ رجل من أصحابي الذين أخذ لهم الأمان [أخبرته حتى استوفى عدد السبعين الذين أعطاهم/الأمان] (٢)، إن أراد الوفاء لهم (٣)، وإن لم يرد الوفاء لهم فكيف أخبره/بأسمائهم وأدلّه على مواضعهم إذن أكون شريكه في دمائهم.
فراجعناه في ذلك، فقال (٤): لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم (٥)، فليعمل ما (٦) بدا له أن يعمل.
قال: وردّ يحيى إلى الحبس وخرجنا، فلما كان من الغد دعينا وأحضر يحيى، فقال لنا الرشيد: كلموه (٧) لعلّه يخبرنا بأصحابه فكلمناه فأومىء إلى لسانه، قال (٨): فأخرج لسانه أصفر قد سمّ، فحلف الرشيد أنّه ما أمر في أمره بشيء وهو يوهمكم أني سقيته السمّ (٩) فعليه وعليه إن كان من ذلك شيء، فلمّا أخرج لسانه قال هارون: ويلك يا مسرور ما هذا؟ قال: أنا سقيته لمّا رادّك (١٠) يا أمير المؤمنين وخرجنا، ولم يعلم له خبر (١١) بعد ذلك.
_________________
(١) ر: يفي لهم.
(٢) ليست في ص.
(٣) «لهم»، ليست في ر.
(٤) ر: قال.
(٥) «عنهم»، ليست في ر.
(٦) م: بما.
(٧) م ص: وكلمه.
(٨) من ر وحدها.
(٩) «السم»، ليست في ر.
(١٠) ر: أرادك.
(١١) م ص: فلم نعلم له خبرا.
[ ٢٥٢ ]