السلام، صاحب المغرب وذكر رسالته إلى أهل مصر
حدثني أبو العباس الحسني ﵁ بإسناده عن (٢) إدريس بن عبد الله بن الحسن ﵈:
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فالحمد لله ربّ العالمين، لا شريك له الحيّ القيوم، والسّلام على جميع المرسلين وعلى من اتّبعهم وآمن بهم أجمعين.
أيّها الناس إنّ الله ابتعث محمدا، ﵌، بالنبوّة وخصّه بالرسالة، وحباه بالوحي، فصدع بأمر الله وأثبت حجّته وأظهر دعوته، وإنّ الله جلّ ثناؤه، خصّنا بولادته وجعل فينا ميراثه، ووعده فينا وعدا سيفي به؛ فقبضه الله إليه محمودا لا حجّة لأحد على الله ولا على رسوله، ﵌ فَلِلّهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
فخلفه الله، جلّ ثناؤه، فينا بأحسن الخلافة، غذانا (٣) بنعمته صغارا وأكرمنا بطاعته كبارا، وجعلنا الدّعاة إلى العدل العاملين (٤) بالقسط،
_________________
(١) «بن الحسن»، ليست في د.
(٢) د: باسناد الرواة عن. . .
(٣) د: عدانا.
(٤) كتب فوقها في ص: العالمين.
[ ٣٢١ ]
المجانبين للظلم، ولم (١) نملّ من دفع (٢) الجور طرفة/عين من نصحنا لأمّتنا، والدّعاء إلى سبيل ربّنا، جلّ ثناؤه، فكان ممّا خلفته أمّته فينا أن سفكوا دماءنا وانتهكوا حرمتنا وايتموا صغيرنا وقتلوا كبيرنا وأثكلوا نساءنا وحملونا على الخشب، وتهادوا رؤوسنا على الأطباق، فلم نكلّ ولم نضعف، بل نرى ذلك تحفة من ربّنا، جلّ ثناؤه، وكرامة كرمنا بها؛ فمضت بذلك الدهور واشتملت عليه الأمور، وربّي منّا عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى ملك الزنديق أبو الدوانيق، وقد قال/رسول الله، ﵌: «ويل لقريش من زنديقها، يحدث أحداثا يغير دينها ويهتك ستورها ويهدم قصورها ويذهب سرورها»، فسام أمّتنا الخسف، ومنعهم النصف، وألبسهم الذل وأشعرهم الفقر؛ وأخذ أبي عبد الله شيخ المسلمين، وزير المؤمنين وابن سيد النبيّين، ﵌، في بضعة (٣) عشر رجلا من أهل بيتي وأعمامي، صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، منهم علي بن الحسن بن الحسن بن علي المجتهد والمحب؛ وأبو الحسين (٤) المستشهد بفخ بالأمس، صلوات الله عليهم أهل البيت إنّه حميد مجيد، فأخرج بهم أبو الدوانيق الزنديق، فطبق عليهم بيتا حتى قتلهم بالجوع، وبعث أخي محمد بن عبد الله بن الحسن، صلوات الله عليه، ابنه عليا إليكم فخرج بمصر، فأخذ فأوثق وبعث به إليه، فغلق رأسه بعمود حديد، ثم
_________________
(١) د: لم.
(٢) ص: من وقع.
(٣) ص: بضع.
(٤) د: الحسن.
[ ٣٢٢ ]
قتل أخوي محمدا وإبراهيم، صلوات الله عليهما، العابدين العالمين المجتهدين، الذائدين عن محارم الله، شريا والله أنفسهما لله جلّ ثناؤه، فنصب رؤوسهما في مساجد الله على الرماح، حتّى قصمه قاصم الجبّارين؛ ثم ملك بعده ابنه الضّال فانتهك الحرمات واتّبع الشهوات، واتّخذ القيّنات، وحكم بالهوى، واستشار الإماء ولعبت به الدّنى، وزعم أنّه المهدي الذي بشّرت به الأنبياء، فضيّق على ذريّة محمد، ﵌، وطردهم وكفل من ظهر منهم وعرضهم طرفي النّهار، حتى انّ الرجل ليموت من ذريّة محمد، ﵌، فما يخرج به حتى يتغيّر؛ ثمّ بعث إليّ (١) وقيّدني وأمر بقتلي، فقصمه قاصم الجبّارين، وجرت عليه سنّة الظالمين فخسر الدّنيا والآخرة، ذلِكَ هُوَ اَلْخُسْرانُ اَلْمُبِينُ (الحج ٢٢/ ١١)؛ ثم ملك بعده ابنه الفاسق في دين الله، فسار/بما لا تبلغه الصّفة من الجرأة على ربّ العالمين، ثم بعث/ليأخذ نفرا منّا (٢) فيضرب أعناقهم بين قبر (٣) رسول الله ﵌ ومنبره (٤)، فكان من ذلك ما لا أظنّه إلاّ قد بلغ كلّ مسلم، ثم قتل أخي سليمان بن عبد الله، وقتل ابن عمّي الحسين بن علي، صلوات الله عليه، في حرم الله، وذبح ابن أخي الحسن بن محمد بن عبد الله في حرم الله بعدما أعطي أمان الله.
وأنا ابن نبيّكم، ﵌، أدعوكم إلى كتاب الله
_________________
(١) ص: لي.
(٢) ص: منا نفرا منا.
(٣) د: منبر.
(٤) «ومنبره»، ليست في د.
[ ٣٢٣ ]
وسنّة نبيّه، ﵌، وأذكّركم الله، جلّ ثناؤه، وموقفكم بين يديه غدا، وفزعكم إلى محمد، ﵌، تسألونه الشفاعة وورود الحوض؛ وأنّ تنصروا نبيّكم، ﵌، وتحفظونه في عترته، فو الله لا يشرب من حوضه ولا ينال من شفاعته من حادّنا (١) وقتلنا وجهد على هلاكنا.
هذا في كلام طويل دعاهم فيه إلى نصرته.
وروى محمد بن علي بن خلف العطّار وغيره عن سليمان بن
سليمان الأسود مولى آل حسن،
قال:
خرج إدريس بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب بعد وقعة فخ، ومعه ابن أخيه محمد بن سليمان بن عبد الله، كان سليمان قتل بفخ، فلمّا تمكّن إدريس ببلاد المغرب استعمل محمد بن سليمان على أداني المغرب من تاهرت إلى فاس، قال: فبقي محمد بن سليمان بهذه النواحي إلى اليوم، وهي إلى إبراهيم بن محمد بن سليمان، وبينها وبين إفريقية مسيرة أربعة عشر يوما، ثم يتلوه أحمد بن محمد بن سليمان أخوه، ثم إدريس بن محمد بن سليمان، ثم سليمان بن محمد بن سليمان، كل واحد من هؤلاء مملك على ناحية، لا يدعوا واحد منهم (٢) لآخر؛ ثم يصيروا (٣) إلى عمل بني (٤) إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن (٥) إلى آخر المغرب.
_________________
(١) ص: جلدنا.
(٢) ص: منهم واحد لآخر.
(٣) ص: يصهر.
(٤) «بني»، ليست في ص.
(٥) ص: عبد الله بن حسن.
[ ٣٢٤ ]
وروى أبو العبّاس الحسني، ﵁، عن رجاله
قال [١]:
لما انفلت إدريس بن عبد الله من وقعة فخّ صار (١) إلى مصر، وعلى بريدها واضح مولى صالح بن أبي جعفر، وكان يتشيّع، فحمله على البريد إلى أرض طنجة فخرج بها، فلمّا أفضت الأمور إلى هارون بعد أخيه موسى ضرب عنق واضح صبرا، ودسّ إلى إدريس الشماخ (٢) اليمامي مولى أبيه المهدي، وكتب له/إلى ابن الأغلب عامله على أفريقية، فخرج حتى صار إلى إدريس، فذكر أنّه متطبّب وأنّه من شيعتهم، فشكا إليه إدريس وجعا يجده في أسنانه (٣)، /فأعطاه سنونا وأمره (٤) أن يستنّ به من عند الفجر، وهرب تحت الليل، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون فقتله، فلمّا اتصل الخبر بهارون ولّى الشماخ بريد مصر.
وقال في ذلك شاعرهم [٢]: [من الكامل]
أتظنّ يا إدريس أنّك مفلت كيد الخليفة أو يقيك فرار (٥)
_________________
(١) ص: فصار.
(٢) د: شماخ.
(٣) د: انسانه.
(٤) د: أمر به.
(٥) الطبري: يفيد فرار.
(٦) قارن بالبلدان لابن الفقيه ٣٤؛ والمغرب للبكري ١٢١؛ وما تقدم ص.
(٧) نسبه في تاريخ الطبري ٨/ ١٩٩ (-٣/ ٥٦١) للهنّازي؛ ومقاتل الطالبيين ٤٩٠ - ٤٩١ (ط ٢.٤٠٨ - ٤٠٩) وفيه: قال ابن عمار: وهذا الشعر عندي يشبه شعر أشجع السلمي وأظنّه له؛ والحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٩٧؛ وجذوة الإقتباس ١/ ٢٣.
[ ٣٢٥ ]
فليدركنّك أو تحلّ ببلدة لا يهتدي فيها إليك نهار (١)
ملك كأنّ الموت يتبع أمره حتى يقال تطيعه الأقدار
قال محمد (٢) بن منصور المرادي،
قلت (٣) لأحمد بن عيسى بن زيد بن علي، ﵇، حدّثني رجل عن أبي الرعد عن أبي البركة عن هرثمة عن هارون الملقّب بالرشيد: أنّه أعطى سليمان بن جرير مائة ألف (٤) درهم على أن يقتل له إدريس بن عبد الله [١].
فحدّثني أبو عبد الله أحمد بن عيسى بن زيد
قال: كنت عند عمّي الحسين بن زيد بمنى في مضربه (٥)، إذ جاءه جماعة من البربر من أهل المغرب من عند إدريس، فجلسوا ناحية وجاء رجل منهم إلى الحسين فسلّم عليه وأكبّ عليه فناجاه طويلا، ثم إنّ الرجل خرج وقال لنا عمّي:
أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا رجل من أهل المغرب من عند إدريس، قال لي: جاء رجل من عندكم يقال له سليمان بن جرير، فكان مع إدريس فخالفه في شيء، ودخل إدريس إلى الحمّام، فلما خرج أرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه وقال (٦): بطني،
_________________
(١) في المصادر بعد هذا البيت: إنّ السيوف إذا انتضاها سخطة طالت وتقصر دونها الأعمار وفي الطبري: وقصّر دونها.
(٢) د: أحمد.
(٣) د: قال قلت.
(٤) ص: مائة مثقال، ثم ضرب على مثقال.
(٥) في ص: منا في مصر به.
(٦) ص: فقال.
(٧) قارن بالترجمان ٧٨ ب.
[ ٣٢٦ ]
أدركوا سليمان في منزله، فطلب سليمان في منزله فلم يوجد، فسألناه عنه فقالوا (١): قد خرج، فأعلمناه فقال: أدركوه (٢) فردّوه، قال: فأدركناه فامتنع علينا فقاتلناه وقاتلنا، فضربناه على وجهه ضربة بالسيف (٣)، وضربناه على يده فقطعنا إصبعه وفاتنا هربا، ثم قال لنا الحسين بن زيد: رأيتم هذا الأثر؟
قال أحمد بن عيسى:
رأيته مضروبا على وجهه شبيها بما وصف البربري، وأومأ أحمد بن عيسى من حد موضع السجود إلى الحاجب، /ورأيناه وفي يده ضربة قد قطعت إصبعه الإبهام.
قال أحمد بن عيسى:
وهو قتل إدريس لا شكّ فيه.
وسليمان هذا كان من رؤساء الشيعة ومتكلّميهم، فمن يوثق بعده من النّاس؟
وروي عن/بعض الناس:
أنّ إدريس أقام بالمغرب عشر سنين يقيم الأحكام، ثم دسّ هارون شربة سمّ في سويق على يدي رجل من أهل العراق، فأقام عنده واستأنس به إدريس واطمأن إليه، وكان قد ضمن (٤) هارون خمسمائة ألف درهم لهذا الرجل، فسقاه فمات إدريس من ذلك بعد ثلاثة أيّام.
وأوصى إلى ابنه إدريس ابن إدريس فأقام بعد أبيه يعمل بالكتاب
_________________
(١) ص: قالوا.
(٢) د: أدركوا ردوه.
(٣) د: وجهه بالسيف.
(٤) د: ضمن له.
[ ٣٢٧ ]
والسنّة ويقتدي بأبيه، وهو واحد (١) الشجعان، وبقي بعد أبيه أحد وعشرين سنة، تملّك أرض المغرب وبربر وأندلس ونواحيها، وفتح فتوحا كثيرة من بلاد الشّرك، وحاربته المسوّدة فلم يقدروا عليه إلى أن مات، ﵀.
ثم أوصى إلى ابنه إدريس بن إدريس بن إدريس بن عبد الله فقام مقام أبيه يعدل بين الناس على سيرة آبائه وأجداده؛ وهو أحد علماء آل محمد، وهم إلى هذه الغاية يتوارثون أرض المغرب وبربر ويعملون بالحق.
_________________
(١) د: من أحد.
[ ٣٢٨ ]